في صباح 2 مايو/أيار 2013، اشتبكت قوات نظامية سورية ومليشيات موالية لها مع جماعة من مقاتلي المعارضة في بلدة البيضا، وهي بلدة يسكنها قرابة سبعة آلاف نسمة وتقع على مسافة 10 كيلومترات من مدينة بانياس الساحلية. اندلعت الاشتباكات حين حاولت قوات الأمن، مدفوعة على الأرجح بمعلومات حصلت عليها من ناشط محلي كانت قد احتجزته حديثاً، أن تداهم منازل يختبئ بها بعض المنشقين عن الجيش.
في نحو الواحدة ظهراً انسحب مقاتلو المعارضة المحليون وقامت القوات النظامية والقوات الموالية لها بدخول البلدة ، ومضت تفتش منازلها. وعلى مدار الساعات الثلاث التالية تكرر نمط مألوف في معظم أرجاء البيضا: اقتحمت القوات النظامية وتلك الموالية لها البيوت، وفصلت الرجال عن السيدات، وجمعت الرجال من كل حي في مكان واحد، وأعدمتهم بإطلاق النار عليهم من مدى قريب.
تمت بعض عمليات الإعدام داخل منازل الناس، ووقع بعضها الآخر أمام أحد المباني أو في الساحة الرئيسية للبلدة. تم الإبقاء على حياة عدد من السيدات والأطفال، لكن غيرهم لم ينج. وثقت هيومن رايتس ووتش إعدام ما لا يقل عن 23 سيدة و14 طفلاً، بينهم بعض الرضع. في حالات كثيرة كانت القوات الموالية للحكومة تحرق جثث من أردتهم بالرصاص. وفي حالة تتسم بوحشية بالغة، قامت قوات الأمن بتكديس ما لا يقل عن 25 جثة في أحد متاجر الهواتف الخلوية بساحة البلدة، وأشعلت فيها النيران، وهذا بحسب شهادات شهود وأدلة مستمدة من مقاطع فيديو راجعتها هيومن رايتس ووتش.
من خلال العمل مع الناجين ومع نشطاء محليين، تمكنت هيومن رايتس ووتش من تجميع قائمة تضم 167 اسماً لأشخاص قتلوا في ذلك اليوم (انظر الملحق 1). واستناداً إلى شهادات الشهود والأدلة المستمدة من مقاطع الفيديو التي تمت مراجعتها، تبين أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء قد أعدموا ميدانيا بعد أن انتهت المواجهات العسكرية في البلدة ؛ مما يجعل من وقائع القتل في البيضا إحدى عمليات الإعدام الجماعي الأكثر دموية في النزاع السوري. وتشير الأدلة التي جمعتها هيومن رايتس ووتش إلى أن جميع الذين تم إعدامهم كانوا من المدنيين غير المقاتلين ولم يمثلوا تهديداً لقوات الأمن. بحسب اثنين من مقاتلي المعارضة شاركا في المواجهات في البيضا، كان مقاتلو المعارضة إما قد فروا إلى المناطق الزراعية المجاورة أو لقى بعضهم حتفه في المواجهات.
عند توثيق وقائع القتل في البيضا، أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات شخصية مع أربعة ناجين شهدوا كيفية فصل أقاربهم عنهم على يد القوات النظامية وتلك الموالية لها، وعثروا عليهم موتى بالرصاص فيما بعد. كان الأربعة جميعاً قد فروا إلى بلدان مجاورة. كما أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع سبعة من السكان وأربعة من أوائل المتواجدين بمسرح الأحداث الذين اكتشفوا الجثث بعد انسحاب القوات الموالية للحكومة من البلدة في نحو الخامسة من مساء 2 مايو/أيار. تم تأكيد أكثر المعلومات التي حصلنا عليها من الشهود بمقاطع الفيديو التي صورها شهود آخرون، علاوة على مقاطع فيديو للقوات النظامية العاملة داخل البلدة يوم 2 مايو/أيار، والتي يرجح أن يكون قد صورها بعض أفراد القوات النظامية أو القوات الموالية لها، ونشرت لاحقاً على موقع يوتيوب.
وفق العديد من الشهود، ومقاطع فيديو لقنوات إعلامية مقربة من الحكومة السورية وكانت متواجدة على مقربة من البيضا أثناء القتال وفي أعقابه مباشرة، كان المغيرون على البيضا من أفراد الجيش النظامي وكذلك قوات الدفاع الوطني، وهي مجموعة شبه عسكرية نظمتها الحكومة السورية في توقيت أسبق من عام 2013. قام ثلاثة من السكان المحليين أيضاً بتوجيه اتهام إلى سكان مسلحين من قرى مجاورة مؤيدة للحكومة يقضي بمشاركتهم في وقائع القتل.
لم تكتف القوات النظامية وتلك الموالية لها بقتل السكان؛ بل أقدمت أيضاً على حرق ونهب بعض المنازل وتعمدت تخريب ممتلكات، وهذا بحسب العديد من الشهود ومقاطع الفيديو التي صورها أفراد القوات النظامية وتلك الموالية لها، والتي صورها سكان محليون وتظهر فيها منازل وسيارات مشتعلة. وفق الأدلة التي جمعتها هيومن رايتس ووتش، وقع أكثر النهب والحرق يوم 3 مايو/أيار، وهو اليوم التالي لعمليات القتل، حين عادت القوات الموالية للحكومة إلى البيضا.
في نفس يوم الاشتباكات في البيضا – 2 مايو/أيار – اندلع القتال في راس النبع القريبة، التي تعد إحدى ضواحي بانياس الواقعة على بعد نحو 10 كيلومترات من البيضا. وبحسب خمسة من السكان المحليين، قامت القوات النظامية بقصف الضاحية يوم 2 مايو/أيار واقتحمتها في اليوم التالي. وفي نمط شديد الشبه بوقائع البيضا، قال شهود لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات النظامية أعدمت عدداً من السكان بعد اقتحام المنطقة، وأشعلت النيران في منازل بعينها.
تعرفت هيومن رايتس ووتش على 30 رجلاً و22 سيدة و29 طفلاً قتلوا في راس النبع يوم 3 مايو/أيار وفي الساعات الأولى من صباح 4 مايو/أيار. كما تعرفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مجموعة رصد سورية، على 188 مدنياً، بينهم 54 طفلاً و43 سيدة، يُزعم أن القوات النظامية أو الموالية لها أعدمتهم ميدانيا في راس النبع في تلك الفترة. قال الشهود المحليون الخمسة جميعاً لـ هيومن رايتس ووتش إنهم شاهدوا، أو شاهدوا أدلة على، قيام القوات النظامية بإحراق منازل، وشاهدوا في بعض الحالات جثثاً محترقة في راس النبع.
تسببت وقائع القتل والنهب والحرق في البيضا وبانياس في تصعيد إضافي للتوترات الطائفية في سوريا. تسكن البيضا أغلبية مسلمة سنية مع أقلية مسيحية صغيرة. وبإضافتها إلى أحياء معينة في بانياس، على رأسها راس النبع، تعد المنطقة جيباً سنياً معارضاً للحكومة في قلب محافظة طرطوس الموالية للحكومة في معظمها والتي يقطنها عدد كبير من العلويين. بحسب شهود محليين، لم تقتل القوات النظامية وتلك الموالية لها سوى السنة ولم تحرق سوى بيوتهم. قال اثنان من سكان البيضا المسيحيين لـ هيومن رايتس ووتش إن القوات الموالية للحكومة لم ترتكب أية جرائم قتل أو نهب في الجزء الذي يسكنونه من البلدة. دفعت الهجمات معظم سكان البيضا وراس النبع في بانياس من السنة إلى الفرار عقب الاعتداء، وبعضهم الآن من النازحين في مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة في شمال سوريا، بينما لاذ بعضهم الآخر ببلدان مجاورة. قالت إحدى الناجين، وهي تعيش الآن في تركيا، لـ هيومن رايتس ووتش إنها لا تتخيل العودة إلى البيضا مطلقاً: “لقد فقدت كل شيء. زوجي واثنين من أطفالي. منزلي. لم يبق أحدٌ”.
يوحي نطاق القتل وإحراق المنازل والممتلكات بعد يوم من انتهاء القتال بأن الهجمات الحكومية ربما كان يقصد بها تهجير سكان مدنيين ينظر إليهم كمؤيدي للمعارضة من منطقة وصفها أحد وزراء الحكومة بأنها “شديدة الحساسية”، حيث يعتبرها الكثيرون قلب المنطقة العلوية.
اقرت الحكومة السورية بإجراء عمليات عسكرية في البيضا وبانياس، لكنها قالت إن قواتها كانت ترد على كمائن للمتمردين ولم تقتل سوى “إرهابيين”. في تعليق على وقائع القتل في البيضا وبانياس، قال علي حيدر، وزير الدولة لشؤون المصالحة الوطنية، لصحيفة “وول ستريت جورنال” إن “بعض الأخطاء” قد تكون ارتكبت، وإن لجاناً حكومية تجري تحقيقات.
يفرض القانون الدولي لحقوق الإنسان حظراً لا لبس فيه على عمليات الإعدام بإجراءات موجزة وخارج نطاق القانون. وفي مواقف النزاع المسلح التي ينطبق عليها القانون الدولي الإنساني، يمثل القتل المتعمد للمدنيين والجرحى، أو الجنود المستسلمين أو الأسرى (العاجزين عن القتال) جريمة حرب.
سبق لـ هيومن رايتس ووتش توثيق وإدانة عمليات الإعدام الميدانية وخارج نطاق القانون التي تجريها القوات النظامية والموالية لها في أعقاب عملياتها على الأرض في أجزاء عديدة من سوريا، بما فيها داريا، ضاحية دمشق، ومحافظتي حمص وإدلب. كما وثقت هيومن رايتس ووتش وأدانت عمليات الإعدام التي نفذها مقاتلو المعارضة في مناطق تخضع لسيطرتهم في محافظتي حمص وحلب.
دعت هيومن رايتس ووتش مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى ضمان المحاسبة على هذه الجرائم بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وبمطالبة سوريا بالتعاون التام مع لجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، عن طريق إتاحة وصولها غير المشروط إلى البيضا وبانياس. كما دعت هيومن رايتس ووتش الحكومة السورية إلى نشر أية نتائج تتوصل إليها اللجنة الحكومية التي أعلن الوزير علي حيدر عن تشكيلها للتحقيق في وقائع القتل في البيضا وبانياس، وإتاحة حرية الدخول للجنة تقصي الحقائق التابعة لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان علاوة على منظمات حقوق الإنسان

Social Links: