كيف حال التعليم والقضاء ؟ عارف دليلة

كيف حال التعليم والقضاء ؟ عارف دليلة

 

متابعة للموضوع السابق بخصوص قرارات صرف الاساتذة الجامعيين من الجامعة عقابا على رايهم الحر ،نقول : ان الذين يحكمون او يؤدبون ، لدينا ، لايؤدون وظيفتهم الا وفق ” قصاصة ” ترسل لهم وما عليهم الا قراءتها ،  او تبعا لاتفاق مسبق على ثمن القرار ( الا من رحم ربك من الشرفاء ،  ومنهم من ساحكي عن موقفهما فيما يلي ، وامثالهما) !

بل ان النجاح والترفع في مدارسنا وجامعاتنا اصبح الى حد كبير ، وللاسف الشديد ، ينطبق عليه ماينطبق على القضاء والاعتقال والتأديب !

وساروي قصة معبرة حدثت معي شخصيا فيما يخص القضاء ، الآن ، بعدما كتبت بالامس فيما يخص حرية الرأي في جامعاتنا  :

في محكمة مجلس الدولة ( القضاء الاداري ) الدنيا ، المؤلفة من ٣ قضاة ، اجتمعوا ودرسوا اعتراض وكيلي المحامي الكبير ، اطال الله في عمره ومنحه الصحة والعافية ، الاستاذ عبد الهادي عباس  على قرار نقلي من الجامعة الذي يبين بوضوح مخالفته الصريحة لنص القانون والدستور ، فصدر قرار المحكمة الفوري بابطال قرار رئيس مجلس الوزراء بنقلي الى قسم المالية باحدى الوزارات ، حتى  دون علمها  ، وذلك باغلبية ٢ ضد واحد ، فذهبت الى هذا ” الواحد” لاستطلع سبب عدم موافقته على قرار زميليه المستند الى نص الدستور والقانون ، فكان جوابه : ” انا حزبي ( يعني بعثي اي عضو في الحزب القائد للدولة والمجتمع ، حسب نص الدستور ) وانا ملتزم بقرار قيادتي الحزبية (يقصد الأمنية !) ، اولا ، بغض النظر عما يقوله الدستور والقانون ( اذا اخذنا بالمفهوم الحقوقي فالدستور والقانون يعبران عن روح الدولة والشعب ، هذه الروح التي تصبح “كخ !” اي عديمة القيمة عندما تتعارض مع اوامر قيادته الحزبية ! ) وقرار نقلك من الجامعة صدر نتيجة خلاف بينك وبين القيادة الحزبية العليا ، فعليك ان تسوي الامر معها بدلا من اللجوء الى القضاء !

وعندما عدت الى الجامعة حاملا قرار القضاء الاداري بابطال قرار نقلي من الجامعة وكانه لم يكن ، جاء رد رد السلطة فورا على هذا التحدي بقرارين جديدين  : الاول ،  قرار ثان بصرفي كليا من الخدمة ، وهكذا قرار يصبح محصنا ، بنص المادة ٨٥ من قانون الموظفين الاساسي ، من التقاضي والنقض !!! وثانيا ، وهذا ماحصل لاحقا ،  وذلك  بمكافأة ذلك القاضي ( “الامين !” على وزن “كل شيء في ايدي أمينة” ، عندما كنت اسأل عن موارد النفط) ، وهذا القاضي كان من الدرجة الدنيا في سلك القضاء ولكنه من الدرجة العليا في تنفيذ التوجيهات الحزبية_ الأمنية  العليا المخالفة للدستور والقانون ، بتعيينه وزيرا للعدل في سوريا ، هكذا بقفزة واحدة  !!!!!! وهكذا “اكتمل العدل والرحمة” ( غياب الحق و القانون في سورية !) ، كما نرى على الارض !!!

ترى ، الا تكفي هذه الحادثة ، حتى لو كانت لوحدها ،( فما بالك عندما تكون ممارسة منهجية ثابتة ؟ ) الا تكفي اساسا للمطالبة باستقلالية السلطات ، بما في ذلك استقلالية القضاء عن السلطات التنفيذية والسياسية والامنية ، وجميع سلطات الامر الواقع الأخرى ، ليبقى القضاء ، كما في دول القانون الديمقراطية ، فوق الجميع ؟

في ايام الشدة اثناء الحرب العالمية الثانية ، والصواريخ الالمانية تنهمر كالمطر فوق لندن ، ولم يكن لدى بريطانيا ، بعد ، صواريخ مقابلة ، سال رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في مجلس الوزراء : كيف حال القضاء والتعليم ؟ فاجابوه : هما بالف خير ! فقال : لايهم الباقي ، فنحن اذن لمنتصرون ! وبالفعل كانت بريطانيا من المنتصرين ضد اشرس واقوى عدو للبشرية : هتلر والعنصرية النازية !

ونسال نحن ، ورؤوسنا في الارض ، كيف حال القضاء والتعليم لدينا ؟ ولسنا بحاجة لا نتظار الجواب ! ففي مانشرناه بالامس ، وفيما نرويه هنا ، الآن ، عن حال التعليم والقضاء ما يوفر علينا انتظار الجواب ! وإنا ، ما دمنا كذلك ، لمنهزمون في كل الساحات !!!

بقي ان اذكر بان اعظم زعيمين تاريخيين لبلديهما ، باجماع شعبيهما ، من اليسار واليمين ، وهما تشرشل في بريطانيا وديغول في فرنسا المنتصر الآخر في الحرب الثانية، عندما اصطدما بالارادة الشعبية ،

حيث انقسم الشعب اتجاه سياساتهما الاقتصادية والاجتماعية ،  لم يجدا ما ينتصران به لرأيهما ، الا العودة الى  الشعب لطلب تفويض جديد بالاستمرار في الحكم  ، ولكن لتاتي نتيجة الانتخابات ، بالنسبة لتشرشل بعد انتصاره في الحرب مباشرة  ، وبالنسبة لشارل ديغول ، الرئيس الفرنسي ، عام ١٩٦٨ ، رفضا شعبيا ، باغلبية بسيطة جدا ، للتفويض بالاستمرار في الحكم ، فيذهبان لقضاء بقية عمرهما متقاعدين في البيت ، معززين مكرمين باحترامهما للارادة الشعبية الحرة ، محتفظين بالمكانة العالية لهما في بلديهما والعالم ، على صفحات الكتب وفي الاذهان ، وبكامل عظمتهما وهيبتهما !

فمتى تبدأ قيمة المسؤول في بلداننا العربية تستمد من الرضى والاحترام والموافقة الشعبية الحرة ، التي تفرزها نتائج الاعمال المجيدة في جميع الميادين ، وليس من الممارسات الارهابية والارعابية والاذلالية الافسادية التجويعية لارباب الاستبداد والفساد والتخليف والانحطاط ؟

 

  • Social Links:

Leave a Reply