نجم الدين سمّان
ما أن عَبَر الفيروس أولَ جهازٍ للكشف في مطار دمشق اللا دوليّ.. حتى انطلقت صفارات الإنذار؛ واستنفر حُمَاةُ الوطن الساهرين على أمنِ الزعيم؛ فأخلوا قاعةَ القادمين وحاصروا الفيروس عُراةً من كلِّ كمّامةٍ؛ أمسكو به.. يأيدٍ عاريةٍ من القفازاتٍ؛ لا يخشون في حبّ زعيمهم أحداً؛ كَلبَجُوهُ مِن كلّ مِجَسَّاتِه؛ عصبوا عينيه؛ حشروه في سيارة بيجو ستيشن مُحاطاً بنُخبةٍ من فرقة كوماندوس “الحياة لقائدنا والموت للسوريين” وأخذوه باتجاه فرع المخابرات الجويّة من أوتستراد المطار إلى اوتستراد المُتحلق الجنوبيّ.
خلال تلك الرحلة القصيرة.. شَمَّ الفيروس رائحةَ رمادٍ مُحترقٍ بعد القصف؛ وبقايا موادٍ كيماويةٍ في هواء غوطة دمشق؛ أحسّ باشعاعت اليورانيوم المُنضَب من حولِهِ؛ ورأى برغم العُصبَة على عينيه.. بيوتاً مُدمّرةَ على جانبيّ الطريق؛ وحواجزَ عسكريّة عند كلّ مُفترق؛ أسواقاً في الهواء الطلق لكلّ ما عفشه جنود الزعيم من بيوت الناس؛ حاول أن يُحصِي كم سورياً تمَّ اعتقالُهُم.. فلم يُفلِح.
بعد أن استقبلوه بالركلات على مدخل فرع المخابرات الجويّة؛ ودَحرَجُوه على السلالم؛ استلمه ماردٌ فرفَعُه في الهواء عابراً به الممرّات إلى حيث رئيسُ العَسَسِ الجوّي؛ ثمّ خبطه على الأرض عدّة مراتٍ أمام قائده وهو يقول: – قبضنا على كورونا.. سيدي.
تأمله رئيس العَسَس.. ثم بَرطَم كلمات بلا غُنّة : – جِِيت.. هَلَا بالغالي؛ شوف ولاك.. بتعترِف مِن هلّأ؛ أو نسلِق لك مجسّاتك ونحرقها بالقدّاحات والسجائر.
قال المدعو كورونا: – وبماذا.. سأعترف.
– بما نُريدُه نحن.. وليس بما تريده أنت.
أجبه كورونا: – لم ارتكب ذنباً.. أنا مُجرَّد اصطفاءٍ طبيعي.
– اصطفاء.. قلت لي؛ جنّنت الناس في العالم؛ دوَّختَ ترامب نفسَه؛ شَربَكتَ كلّ أجهزة المخابرات في العالم؛ بس.. هون ما في عنّا لعب.
– أنا.. لا ألعب؛ مُهمّتي في الحياة.. اصطفاءُ الناسِ الأكثرَ مناعةً وقابليةً للحياة؛ ولقد تكائرتُم معشرَ البشر حتى أثقلتُم الطبيعة بنفاياتكُم وبكلّ أنواع الملوثات؛ عَفّشتُم حتى الغابات؛ فأرسلتني أمي: الطبيعةُ.. لأخفِّفَ منكُم ما أستطيع.
فضحك رئيس العسس الجوّي: – سبقناك.. يا أبو الكوارين.
– كيف؟!.
– نظّفنا سوريا من جراثيم المؤامرة الكونيّة؛ لم يبق من السوريين.. إلا المُتجانِسُونَ المُعقَمُونَ بالولاء المُطلَق؛ فتعال نعقد صفقةً.. تعترف فيها بانّك صنيعَةُ الإرهاب؛ من مختبرات البغدادي التكفيريّة؛ بمُساعدةٍ من مُختبر ووهان في الصين.
– لكن الصين.. حليفةُ نظامكم!!.
– فليكُن.. لا حلفاءَ دائمونَ في السياسة ولا أعداءَ أزليّون فيها؛ هدَفُنا أن يُلغي ترامب قانونَ قيصر.
– وإذا لم أعترف بما تريدونه.
– سترى العَجَب.. العُجاب.
– ألا تخاف أن أُعدِيكُم.. وصولاً إلى رئيسكم.
فضحك رئيس العسس: – نحن أصلُ كلّ الفيروسات القاتلة.
ثم صاح بالكوماندوس: – خذوة.. فانشروه في مُخيمات اللاجئين السوريين الارهابيين؛ وستشكرنا كل الدول المُضيفة لهم.. خلاصاً من عبئهم الثقيل.
فاستغلّ الفيروس جلبةَ دخول الكوماندس لاعتقاله.. فقفز في الهواء عابراً النافذه؛ وما زالت المطاردة.. مُستمرّة حتى الآن.
هل تتذكر حين طلبتَ مني في المشفى أن أجلس أمامك وأُنصت لك وأسجل الملاحظات من بعدك، لقد كنتَ كمن يحاضر في مدرج الجامعة أو في ندوة ما، حدثتني عن الفلسفة والفكر والتراث والثورة والإنسان ثم قلت لي: أعتذر فإنني لن أستطيع أن أكمل هذه المحاضرة المشلولة. رغم ألمك كنت تعلم أن انكساراً عليه أن يأتي لننهض من جديد:
“أيها الانكسار الأعظم!
لقد لطّختنا بعار رجالك القادمين من خرائب التاريخ!
وأنتِ يا نجمة الصبح البهيّة! لكِ العلمُ أننا، كالطّود،
نغذّ السير إليكِ، بشوقٍ وحكمة واقتدار!”
في كل مرة أعود فيها إلى حمص، تتردد كلماتك مع كل نسمة من نسماتها الباردة، وأمشي كما كنتَ تمشي نحو بيت جدي القديم في حي باب الدريب، هذا المكان الذي لطالما وجدناك تتجول فيه وحدكَ خاصة بعد أن تحول إلى ركام. تتسلل إلى مخيلتي الذكرى الأخيرة التي جمعتني بك حين كنّا في المشفى في دمشق عندما كنتُ جالسة على كرسي بجانبك أنظر إليك بينما تنظر إلى السقف بعينين متعبتين، ناديتني لأقترب منكَ وقلتَ لي أريد أن أخبرك شيئاً، أمسكتُ يدكَ وأومأت لك برأسي بأنني أسمعك، عندها قلتَ لي: “منار أنا بحبك، أنتِ سويداء القلب، وبحبكم جميعاً وبحب كل الناس”.
حاولتُ في تلك اللحظة أن أحبس دموعي ، نظرتُ إلى عينيكَ اللتين تشبهان نجمة بهيّة استولت على كل السماء، ثم أخبرتك بأنني أحبك كثيراً وأننا بجانبك وستتعافى ونعود إلى البيت، فابتسمت ثم سالت دمعة من عينك وقلت لي، نعم سنعود إلى البيت في حمص، أحبُّ حمص كثيراً خذوني إليها، حمص هي “المبتدا والمنتهى”. هذه الكلمات لن تفارقني يا أبي، سأحملها معي كل حياتي.
أمشي في شوارع حمص الحبيبة وأسمع الناس من خلفي تقول: “الله يرحم أبوكي”. والبعض يقول: اسمه طيب وكان طيّباً. وبعض الباعة يقلون لي: “اللي خلف ما مات، أبوكي لسا موجود بيننا”.
تختنق الردود في حنجرتي وتجفف الحسرة حلقي، لكن رغم ذلك أشعر بأنك مازلت تمشي بجانبي ولستُ وحدي، تمشي بجانبي كما كنّا نمشي دائماً، ألفُّ يدكَ وأتأكد بأنني أسندكَ جيداً، لأني أخاف أن أفقدك.
سأظل أمشي بجانبك وأسندك ولو غبت، سأسند روحك التي تحيطني دائماً وتعينني على الحياة.

Social Links: