دعوة لتطوير الماركسية

دعوة لتطوير الماركسية

مصطفى الدروبي

التّعرف إلى كارل ماركس (1918 – 1838)

“في السابق لم يفعل الفلاسفة شيئاً بصورة أو أخرى سوى أنهم فسّروا العالم لكن المطلوب بالأساس تغييره”

لسبر غور أية نظرية يروم المهتم بالتعرف إليها لا بد أن يتعرف إلى صاحبها بداية ..طفولته يفاعته شبابه وكذلك ميوله وسلوكاته ومن أي منهل فكري استقى رؤاه الأولى ومدى تأثير أسرته عليه لما  لها من أثر كبير بنشأته وتشكيل النويّات الأولى لبذور وعيه الأولي.

بعيداً عن الأسلوب المدرسي وقريباً من النهج المبسّط في شرح المفهومات والمصطلحات  ارْتَأَيْتُ  تعريف القارئ الكريم برجل ملئ الدنيا وشغل الناس على مدى عقود من الزمن كما قال العرب عن شاعرهم الأكبر أحمد بن الحسين “المتنبي” وسبب قلقاً ورعباً في قلوب حيتان المال والمتعطشين للثروات بلا حدود وكذلك مراكز الأبحاث وعسس السُلَط وحراس الظلام والجهل ومعابد الطغيان وأيقظ عقولاً نائمة وأحدث انقلاباً ثورياً في مفهومات تطرق لها البعض ممن هم قبله دون أن يفيها حقها فجاء ماركس ليجعلها تسير على قدميها لا رأسها!.

لقد دشّن ماركس المداميك الصلبة لنهج أعاد من خلاله ترتيب جل أفكار من سبقوه ووضعها بأنساقها المستندة للعقل والتنوير والعلم حيث كان بحق وريثاً شرعياً لكل ما طرحه العقل البشري منذ بداياته الأولى وليس مروراً بالتراث الفلسفي الذي أنجزه رواد عصره وعلى رأسهم هيغل  ولا بآدم سميث مؤسس الاقتصاد السياسي ولا سان سيمون في اشتراكيته الخيالية.

منذ أيام مرت الذكرى الـ 202 لميلاد الفيلسوف وعالم الاجتماع والصحفي البارع والمؤرخ والاقتصادي الفذّ الدكتور كارل هاينريك ماركس والذي ولد في ألمانيا – ترير ” المحاذية لفرنسا” في 5 أيار/ مايو 1818 لأسرة يهودية تنتمي للطبقة الوسطى فالأب محامٍ ضليع معجب بـ كانط وفولتير ومتحمس لنهضة بروسيا.

التحق كارل ماركس في كل من جامعتي بون وبرلين التي درس فيها القانون والفلسفة وانتسب لاحقاً لحلقة الهيغليين الشباب والتي زامله وقتها كل من برونو باور ولودفيغ فيويرباخ ثم حصل على الدكتوراة  في الفلسفة “الاختلاف بين فلسفة ديموقريطس الطبيعية وفلسفة أبيقور الطبيعية”من جامعة ييناعام 1841 ليعمل في الصحافة لاحقاً بسبب عدم تمكنه من التدريس في الجامعة لمواقفه السياسية ..وتم التضييق عليه لاحقاً حيث أوقفت الصحيفة التي كان يرأس تحريرها في مدينة كولونيا ليقيم لاحقاً في باريس ..باريس هذه التي كانت القلب السياسي لأوربا آنذاك حيث أصدر فيها “مجلة الحولية الألمانية” فكتب مقالتين هامتين بها “مدخل إلى المساهمة في نقد فلسفة هيجل في الحق” و”حول المسألة اليهودية”.

في عام 1844 التقى ماركس بمواطنه الألماني المنظر والسياسي والفيلسوف فريدريك أنجلز وبدأت بعدها صداقة بينهما دامت مدى حياتهما ليقترن اسميهما بتأسيس النظرية الثورية للبروليتاريا (الطبقة العاملة الصناعية) وقدم له دراسة هامة حول دور الطبقة العاملة الثوري في ظل علاقات الانتاج الرأسمالية ” ظروف الطبقة العاملة في إنجلترا في عام 1844 ” ثم لاحقاً  قيام الحكومة الفرنسية وبضغط من القوى الرجعية بطرد ماركس وكان ذلك في عام 1845 فاتجه إلى بلجيكا حيث تبلورت الكثير من أفكاره حول الدور الريادي للطبقة العاملة وحجم معانتها والظلم الواقع عليها والتقى ببروكسيل بالكثير من اللاجئين الثوريين القادمين من كل أنحاء أوربا.

في عام 1847 انضم ماركس لعصبة الشيوعيين وقام بدور نشط في مؤتمرها الثاني ( عصبة الشيوعيين هي أول حزب سياسي عالمي للطبقة العاملة أنشئ في عام 1847 في لندن. حيث اندمجت عصبة العادلين والتي كان يرأسها كارل شابر ولجنة المراسلات الشيوعية التي شكّلت في بروكسيل – بلجيكا والتي كان كارل ماركس و فريدريك إنجلز أبرز أعضائها  حيث تم تكليف كلاً من ماركس وانجلس بكتابة المانيفيست الشيوعي “البيان الشيوعي” لتصدر هذه الوثيقة الغنية بمضمونها والحاوية على خلاصة النظرية الماركسية في الفلسفة والاجتماع والاقتصاد ” وعلى امتداد القرن العشرين كان البيان الشيوعي ثاني أكثر الكتب مبيعًا في العالم بعد الكتاب المقدس! ثم يأتي كتاب رأس المال (رأس المال هو كتاب يمثل عماد الاقتصاد السياسي الماركسي، يتألف من تسعة مجلدات، أنجزه كارل ماركس عام 1867، لكن المجلد التاسع منه فقد جمعه وأتمه فريدريك أنجلز.

يعتبر كتاب رأس المال من أهم الأعمال الفكرية التي صدرت في القرن التاسع عشر، كما أنه يمكن أن يصنف مع منجزات فكرية كبرى مثل كتاب روح القوانين لـ مونتسكيو، ونقد العقل المجرد لـ كانت، عدا عن أنه واحد من أهم كتابين مؤسسين في العلوم الاقتصادية، إلى جانب ثروة الأمم لآدم سميث، ولكنه يعتبر أيضاً واحد من الكتب التي لم تقرأ بشكل جيد على الرغم من ادعاءات كثيرة بالتمكّن من الكتاب وأفكاره، للدرجة التي دفعت الكثير من الدول التي طبقت النظام الشيوعي وكثير من الأحزاب الشيوعية حول العالم لأن تتعامل معه بصفة لاهوتية، فحولته إلى نص مقدس طالما ادعت أنها تطبق أفكاره ومناهجه، والحقيقة أن الكتاب لم يقرأ جيداً، وكثير من المفكرين والنقاد لم يقفوا سوى على بعض المقتطفات وبأفضل الأحوال الفصول المهمة

في المجلد الأول يقدّم مدخله إلى الاقتصادي السياسي، الذي عرف لاحقاً بالاقتصاد السياسي الماركسي، ويعرض فيه نظريته الشهيرة فائض قيمة العمل. ويعتبر المجلد الثالث من كتاب رأس المال الأكثر شهرة، حيث يعرض تفاصيل تناقض الرأسمالية. ويأتي كتاب رأس المال من خلال دراسة الاقتصاد السياسي من خلال المنطق الجدلي، حيث أن دراسة الاقتصاد من خلال قوانين الجدل (الدياليكتيك) تعطيه ارتباطاً وثيقاً بالفلسفة الماركسية. ومن خلال فلسفته عبر قوانين الجدل، يقوم ماركس بإعادة تعريف الاقتصاد بتفاصيله من السلع وقوانين العرض والطلب من ناحية ليكون ركناً في الاقتصاد وعرضاً للتطور التاريخي للاقتصاد وتطور العلاقات الاقتصادية عبر التاريخ ليكون أساساً في الاقتصاد السياسي من ناحية أخرى. ) ولم يتغير هذا الوضع خلال السنوات القليلة الأخيرة رغم كل الضجيج الإعلامي الصاخب حول انهيار الاشتراكية وإفلاس الماركسية بل وحتى نهاية التاريخ. فعندما صدرت في بريطانيا طبعة جديدة من البيان بحجم الجيب في عام 1987فوجئ الناشرون بأنهم قد باعوا أكثر من 60 ألف نسخة منه “وهذا يؤكد أن النظرية الحيّة المستندة للعلم و للغة العقل وإعماله ولنزعة البحث والتمحيص لا تموت خصوصاً حين نجد رايتها قد رفرفت على أغلب مساحة اليابسة وجعلت ذئاب المال وثعالبه يرتجفون رعباً منها حيث اضطروا إلى تقديم الكثير من التنازلات في مجال الحقوق السياسية والعمالية والنقابية وأنه ما من بلد في العالم لم يؤسس مناضليه اليساريين حزباً شيوعياً أو عمالياً ..وما زالت الماركسية دليل عمل في معارك الصراع الطبقي على كافة الصعد في عالم يعاني أهله من القلق والتوتر والصراعات والحروب وأن من ظنوا أن الرأسمالية نهاية العالم يتناسون أنه مادام الظلم قائم وميزان العدالة الاجتماعية مختل فإن الماركسية وأدواتها التحليلية المتجددة ستظل العنوان العريض لمئات الملايين من البشر الطامحة نحو الحرية والكرامة الإنسانية.

لقد رحل كارل ماركس يوم 14 مارس 1883 بعد معاناته الطويلة من المرض والفقر والفاقة وكادت أسرته أن تموت من الجوع لولا مساعدة رفيق دربه فردريك انجلز والذي نعاه بعد دفنه في مقبرة هاي غيت اللندنية قائلاً :” توقف أعظم مفكر عن التفكير “.

ختاماً نضع بين يدي القارئ قائمة بأسماء الكتب والتي تتضمن الإنجاز الفكري لكل من كارل ماركس ورفيقه إنجلز على أن نبدأ بالجزء الثاني بدراسة الخطوط العريضة للبيان الشيوعي ومشتملاته ومدى صلاحيته للمرحلة المعاصرة من تاريخ الإنسانية.

– نقد فلسفة الحق عند هيغل، 1843 حول المسألة اليهودية، 1843

– العائلة المقدسة، 1845

– أطروحات حول فيورباخ، 1845

– الإيديولوجيا الألمانية، 1845

– بؤس الفلسفة، 1847

– أجور العمل ورأس المال، 1847

– بيان الحزب الشيوعي، 1848

-الصراعات الطبقية في فرنسا، 1850

– الثامن عشر من برومير لويس نابليون

– مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ، 1859

– كتابات عن الحرب الأهلية الأميركية

– رأس المال، المجلد الأول (كتاب رأس المال)، 1867

– الحرب الأهلية في فرنسا، 1871 نقد برنامج غوتا، 1875

– ملاحظات حول فاغنر 1883

– رأس المال، المجلد الثاني (نشر بعد وفاته من قبل انجلز)، 1885

– رأس المال، المجلد الثالث (نشر بعد وفاته من قبل انجلز)، 1894

  • Social Links:

Leave a Reply