من تاريخ السجال: كتاب “في الثقافة المصرية” أنيس عبد العظيم ومحمود أمين العالم

من تاريخ السجال: كتاب “في الثقافة المصرية” أنيس عبد العظيم ومحمود أمين العالم

أحمد برقاوي

عاشت مصر منذ ثورة 1919 جملة من التطورات الإجتماعية و السياسية و الثقافية السريعة ،وبخاصة ازدهار الحياة المدنية و السياسية ،وتوسع الفئات الوسطى ،وتزايد نشاطها في كل أصعدة الحياة ،.وإذا كانت النخبة السياسية قد طبعت تلك المرحلة بالكفاح و الصراع الحقيقين،فإن النخبة الثقافية الصاعدة و التنويرية خاضت معاركها الفكرية بكل جرأة ومعرفة حسبنا أن نذكر طه حسين والعقاد و المازني وعلي عبد الرازق و مصطفى عبد الرازق ،وصارت هذه المعارك كمعركة (في الشعر الجاهلي )لطه حسين ،و معركة (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق جزءً من حياة المثقفين المصريين وحواراتهم.

وقد ظلت هذه النخبة حاضرة في الحياة المصرية حتى وقت طويل من حصول ثورة الضباط الأحرار 1952.

وفي هذه الفترة -فترة ثورة 19-بالذات نشأ الحزب الشيوعي المصري الذي أعلن عن نفسه عام 1922، وظل هذا الحزب يمارس نشاطه السياسي حتى أعلن النظام السياسي الناصري حل الأحزاب، ومنها الحزب الشيوعي الذي راح يمارس نضاله سراً ، هذا الحزب الذي خرجت منه كوادر ثقافية و علمية مهمة ، و التي راحت ، رغم الإضطهاد تُمارس نشاطها الفكري حتى بعد الثورة ، وإلى هذا الحزب تنتمي شخصيتان مارستا دوراً مهماً في النشاط الفكري و النقدي هما محمود أمين العالم الذي طرد من الجامعة وأودع السجن من عام 1958 حتى عام 1964

وأنيس عبد العظيم الذي اعتقل هو الآخر بسبب شيوعيته من عام 1959وحتى عام 1964.وقد ظل هذان المثقفان الشيوعيان صديقين حتى رحيلهما عن الحياة

قال الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر مرة : بأن الماركسية فلسفة القرن العشرين . والحق فإنه أكثر نخب العالم الفكرية والنقدية قد وقعت تحت تأثر الماركسية بكل جوانبها الفلسفية و الأيديولوجية و النقدية . وكانت مصر أكثر البلدان العربية التي شهدت حضوراً لهذه الماركسية، نخبة راحت تفكر تأسيساً على ماركس وإنجلز ولينين بالواقع الإجتماعي و التغير وعلاقة الفكر بالواقع وعلاقة الأدب بالصراع الطبقي. وكان الشابان في خمسينات القرن الماضي ، محمود العالم و عبد العظيم أنيس من أبرز الرموز التي راحت تخوض معاركها الفكرية و الأدبية نقداً لما كانا يظنان بأنه وعي برجوازي و برجوازي صغير ، فكان كتابهما المشترك(في الثقافة المصرية) والذي صدر في بيروت عام 1954 مشفوعاً بمقدمة من قبل الناقد الأدبي آنذاك حسين مروة. كان من الطبيعي لمن يريد تبيئة النقد الأدبي الماركسي ،آنذاك ، في مصر ، البلد الذي يضج بالمعارك الفكرية و القامات التي أكدت حضورها في عالم الثقافة المصرية ،أن يوجه سهامه قبل كل شيء إلى تلك الرموز التي صارت بحكم إنتاجها الأدبي و الفكري سلطة ثقافية كالعقاد وطه حسين و المازني

النقطة التي انطلق منها الكاتبان في نقدهما هي الواقعية الإشتراكية و ما تنطوي عليه من علاقة الثقافة بالمجتمع وعلاقة الكاتب بالطبقة ، وقضية الإلتزام بقضايا المجتمع و الطبقات الفقيرة و التحرر الوطني. وحسبنا أن نلقي نظرة إلى موضوعات الكتاب لنكشف عن مراد مؤلفيه: من أجل ثقافة مصرية،في الأدب الواقعي ،من أجل أدب واقعي ،الأدب بين الصياغة و المضمون، عبقرية العقاد،الهارب من الحياة (يقصدان المازني )،مأساة الزمن عند توفيق الحكيم ،هذه الأخلاق الوجودية (نقد عبد الرحمن بدوي )،الشعر المصري الحديث،في الرواية المصرية الحديثة:من توفيق الحكيم إلى نجيب محفوظ،وقفه عند نجيب محفوظ ،من نجيب محفوظ إلى الشرقاوي . والمؤَلف بالأصل مجموعة مقالات جمعت تحت عنوان (في الثقافة المصرية ).

ينطوي كتاب (في الثقافة المصرية ) على نمطين من النقد ،نقد أدبي يخضع لقواعد النقد المألوفة و استخدام المصطلحات النقدية، كالصورة و المضمون و البطل الإيجابي و البطل السلبي وقواعد الكتابة الروائية . ونقد أيديولوجي سجالي مختلف عن جوهر النقد الأدبي،يشطر الأدب بين أدب رجعي و أدب تقدمي

.يصف الكتاب مسرحية أهل الكهف قائلاً :(ولهذا كانت هذه المسرحية من الأدب الرجعي الذي وإن عكس جانباً من الحياة المصرية،إلا إنه لا يشارك في حركتها الصاعدة،بل يقبع عند علاقاتها وقواها الخائرة المهزومة …فهم يؤكد فلسفة التخاذل والهروب ،ويحارب العقل و البصيرة، ويدافع عن الغيب و اللامعقول).

في عام 1989 يكتب العالم وأنيس مقدمة جديدة للكتاب يعترفان فيها بأنهما مازالا ينتميان إلى الجوهر الفكري و المعرفي للكتاب، ويؤكدان صحة منطلقاتها النقدية ، غير أنهما يعترفان بأن عنايتهما بالدلالة الإجتماعية و الوطنية للعمل الأدبي تغلب على الجانب الجمالي الفني .لا شك بأن النقد الأدبي الماركسي نفسه قد تطور فيما بعد على يد لوكاتش و جولدمان و إدوارد سعيد بشكل يتجاوز نظرية الإنعكاس الذي يميز النقد الماركسي القديم ، الإنعكاس الذي يعني بأن الأدب يعكس الواقع .

ولا شك بأنه قد كان لرد طه حسين و عباس محمود العقاد أثر كبير في شهرة أصحاب مقالات الكتاب واتساع تداول نقدهما في الساحة الثقافية المصرية ،حتى لو اتسم رد طه حسين و العقاد بالتهكم و السخرية آنذاك. فلقد اكتفى طه حسين بالرد بأن ما جاء في مقالات العالم و عبد العظيم أشبه بنص مكتوب باليونانية ، أي لا يُفهم منها شيئاً ،داحضاً أن تكون هناك علاقة بين أدب الطبيعة و الواقع الإجتماعي . أما العقاد الذي كان له موقف صارم وعدائي من الشيوعية فلم يعلق إلا بجملة مقتضبة : بأن هؤلاء ،ويقصد العالم و عبد العظيم ،شيوعيون فلا يناقشهما ،صاب جام غضبه على الشيوعية بالأساس.

لقد فتح كتاب (في الثقافة المصرية ) الباب أمام النقد الماركسي -اللينيني -السوفيتي ليصبح أحد مدارس النقد الأدبي العربي ، والتي أصبحت ذات انتشار كبير ، و منهج جميع نقاد الأدب من ماركسي العرب ، أمثال حسين مروة و محمد دكروب ، وغائب طعمة فرمان و نبيل سليمان ،حتى الثمانينات من القرن الماضي ، قل أن تنتشر في النقد العربي مدارس النقد الأوربية الجديدة كالبنيوية ،و التفكيكية اللتان راحتا تبرزان بنية النص بمعزل عن تلك الشروط الإجتماعية و الطبقية التي أكدتها الماركسية -اللينينية.

و الحق إن كتاب في الثقافة في الثقافة المصرية مازال يطرح على نقاد الأدب و قارئيه جملة من الأسئلة ذات علاقة بمعنى الأدب و الأديب . كالأسئلة عن الأدب وعلاقاته بالمجتمع و الثقافة السائدة و الفئات الأجتماعية و الإنتماء الطبقي.

لكن كتاب (في الثقافة المصرية ) من حيث هو نموذج للنقد الماركسي السوفيتي التقليدي لم يعد قادراً على الإجابة عن هذه هذه الأسئلة. فأن يكون نجيب محفوظ منتمياً إلى الطبقة الوسطى فإن ذلك لا يعني بأنه يعبر عن البرجوازية الصغيرة كما ظن مؤلفا (مستقبل الثقافة في مصر ). فالربط الميكانيكي بين انتماء الكاتب الطبقي و كتاباته ضرب من السببية المبتذلة.وإلا كيف نفسر انتماء انجلز للطبقة البرجوازية ودفاعه عن الطبقة العاملة في كتاباته ؟.

أما المسألة الأهم التي طرحاها فهي مسألة الإلتزام في الأدب ، وقد كتب سارتر حول هذه المسألة كتاباً بعنوان الأدب الملتزم ، وهو الفيلسوف الوجودي المؤمن بحرية الكائن .

وما زالت هذه المسألة موضوع حوار وجدال بل وصراع بين نقاد الأدب ،فمن قائل بأن الأدب الملتزم هو الملتزم بالقضايا العامة للإنسان : حريه وكرامته وسعادته وخيره الخ ، ومن قائل بالرأي القديم حول الإلتزام بالمعنى الذي أشار إليه العالم و عبد العظيم،ومن قائل بحرية الكاتب وإن الفن للفن . و من هنا فإنه بالرغم من مرور سبعة عقود من الزمن تقريباً على صدور كتاب مستقبل الثقافة في مصر فمازال ينطوي على قضايا راهنة وخلافية .

لقد كتب معاصرهما جلال أحمد أمين يقول :كان عبدالعظيم أنيس ومحمود العالم بإصدارهما كتاب «فى الثقافة المصرية» كمن يتنبأ بالغيب، فإذا بسيل من الأدب الواقعى ينهمر فى القصة (يوسف إدريس) والرواية (نجيب محفوظ) والمسرح (نعمان عاشور، وألفريد فرج وأيضا يوسف إدريس) والشعر (حجازى وعبدالصبور) بالإضافة إلى إبداعات الألحان والأغانى الشعبية (بليغ حمدى وكمال الطويل والموجى، ومرسى جميل عزيز… إلخ». أصبح كتاب «فى الثقافة المصرية» كما لو كان لا يدعو إلى حدوث شىء معين، بل إلى الإعلان عن حدوثه بالفعل، وها قد مر أكثر من نصف القرن على حدوثه، فما الذى يمكن أن نقوله الآن فى تقييم الوضع الحالى للثقافة المصري.

  • Social Links:

Leave a Reply