دلالات تعيين المبعوث الروسي الخاص إلى سورية

دلالات تعيين المبعوث الروسي الخاص إلى سورية

عبد الناصر العمر حوشان

بدايةً لفهم دلالات تعيين المبعوث الخاص للرئيس الروسي في سورية لابد من إستعراض بعض النقاط بما يخص التدخل الروسي في سورية .

أولا : أسباب التدخل العسكري الروسي في سورية :

1-         الإعتقاد بأن إنهيار نظام الأسد  كان وشيكاً  وأنه يمكن منعه من خلال التدخل العسكري .

2-         الإعتقاد بأن هزيمة النظام السوري ستترتب عليها آثار أمنية خطيرة؛ بعد ثبوت عدم جدوى الوسائل  الدبلوماسية .

3-         الإعتقاد بحق روسيا بالوصول الجوي والارضي والبحري إلى سورية عبرتفعيل إتفاقية الدفاع المشترك المبرمة بين النظام السوري وروسيا ،و إستخدام الموانئ والقواعد الجوية السورية .

4-         عندما وصل تهديد المصالح الروسية إلى مستوى عالٍ أعلنت قرارها المباشر والعلني بالتدخل العسكري و تغليبه على الوسائل دبلوماسية .

ثانياُ : نتائج التدخل العسكري الروسي في سورية :

1-         نجحت روسيا في منع إنهيار النظام السوري عسكرياً وسياسياً .

2-         أثبتت روسيا قدرتها على التدخل العسكري القوي في النزاعات الدولية و فرض نفسها كطرف قوي في هذه الصراعات .

3-         حققت روسيا مصالحها الكبرى وهي الوصول إلى البحر الابيض المتوسط عبر الإتفاقيات المبرمة بينها وبين النظام السوري بإقامة قواعد جوية و إستئجار الموانئ على البحر الابيض المتوسط للأعمال العسكرية .

4-         حققت روسيا المصالح الإقتصادية الهائلة عبر عقود إستثمار حقول الغاز والفوسفات طويلة الأمد وغيرها من عقود الإستثمار في سورية .

5-         نجحت روسيا بإقامة تحالف عسكري في المنطقة مع النظام وإيران  يمكنها من حماية هذه المصالح والمكاسب  .

6-         نجحت روسيا بفرض نفسها قطباّ دوليا  مع الصين و دول البريكس بمواجهة الولايات المتحدة الامريكية و حلفائها في المنطقة .

7-         نجحت روسيا ببناء شبكة مصالح واسعة مع تركيا و عدد من الدول العربية كان مرهونة بالهامش الذي تسمح به الولايات المتحدة .

ثانيا :

1-         إن الأسباب التي دفعت روسيا للتدخل العسكري في سورية كانت تتطلب اللجوء الى الدبلوماسية العسكرية والتي تقوم على أساس فرض الشروط بالقوة لتحقيق المصالح و كان القرار يتطلب إسناد تنفيذ هذه الدبلوماسية الى القادة العسكريين على الأرض بالتزامن مع إستخدام النفوذ السياسي الروسي و ثقلها على الساحة الدولية  المرتكزة على عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وتمتعها بحق النقض ” الفيتو ” الذي مكّنها من تحقيق مصالحها ومن حماية النظام السوري من الإنهيار وحتى من إدانته بجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية .

2-         المكاسب التي حققتها روسيا في سورية على كافة المستويات الدولية والداخلية أو على صعيد تعزيز الوجود العسكري في سورية تتطلب إعادة تفعيل الدبلوماسية الوقائية التي ستتركز على حماية هذه المصالح وتعزيزها من خلال عمليات التفاوض مع الأطراف الدولية التي تدخلت عسكرياً في سورية أو مع المجتمع الدولي , ومنع نشوب أي صراعات جديدة قد تؤثر على مركز روسيا في الصراع أو على وجودها في سورية .

3-         تقوم الدبلوماسية الوقائية على ” المفاوضات , التحقيق , الوساطة , التحكيم , التسويات القضائية و السياسية ” و هذه الدبلوماسية تتطلب كوادر خاصة بالإضافة لباقي الكوادر المتعارف عليه منها ” المبعوث الخاص ” أو السفير فوق العادة .

ثالثاً : السفير فوق العادة او ” المبعوث الخاص ” :

1-         السفير فوق العادة :”  هي المرتبة الدبلوماسية الأعلى تُمنح لشخص يُكلّف بمهام خاصة لبلده لدى دولة  أخرى أو لدى منظمات دولية , تُمكِّنه من إمكانيات إستثنائية لأداء مهمته ” .

2-         المبعوث الخاص للرئيس يتمتع بلقب ودرجة سفير فوق العادة الدبلوماسية التي تمكنه  من إبرام الإتفاقيات مع الدولة المضيفة أو مع المنظمات الدولية أو الدول الاخرى فيما المهمة الموكلة إليه .

3-         يتبع المبعوث الخاص للرئيس مباشرة دون أي إرتباط مباشر مع وزارة الخارجية , ومن مهامه نقل رسائل رئيس الدولة إلى الدول الاخرى والتي تتضمن المواقف الخاصة من القضايا المعلنة التي يريد الرئيس أن يبلِّغها إلى بعض الرؤساء الاخرين والتي لا يرغب بإذاعتها أو نشرها ” السرية ” .

4-         الممثل الخاص مكلَّف  بمهمات إستطلاعية عاجلة وحساسة في القضايا المكلف بمتابعتها .

5-         يتمتع المبعوث الخاص بصلاحيات التفاوض والتحقيق والوساطة والتحكيم حتى المشاركة ببعض التسويات العاجلة .

6-         المبعوث الخاص يشرف ويرأس ويتابع الأعمال ” الدبلوماسية و الإستخباراتية والعسكرية و الإقتصادية  ” في البلد المضيف و التي تمكنه من تقديم تقاريره إلى الرئيس مباشرة دون الدخول بإشكاليات إختلاف المقاربات بين وزارات الدفاع و الخارجية و أجهزة الإستخبارات  والتي قد تختلف كلياّ عن بعضها البعض كما رأينا هذا الإختلاف في مقاربات الخارجية الأمريكية و البنتاغون و السي أي أي .

رابعاً : دلالات تعيين الرئيس الروسي لمبعوث خاص له في سورية :

1-         تركيز روسيا على العمل الدبلوماسي  والسياسي بعد إنحسار الأعمال العسكرية و نجاح روسيا في وقف إنهيار النظام السوري عسكرياً  عبر إتفاقيات  وقف اطلاق النار .

2-         ظهور الخلافات بين أركان النظام و المتمثلة بالخلاف بين آل مخلوف و آل الاسد وبين آل الاسد فيما بينهم و حالة التململ الشعبي في مناطق النظام بسبب الفساد والفقر التي تنذر بزعزعة الجبهة الداخلية للنظام والتي تعتبر روسيا إنهيارها من الخطوط الحمراء التي ستدمّر كل مكاسبها و مصالحها ويضعها في مواجهة شاملة مع السوريين .

3-         مواجهة تداعيات الضغط الدولي والذي قد يتطور إلى عمل عسكري واسع ضد الوجود الإيراني في سورية مما يزعزع علاقة التحالف الروسي الإيراني ويُضعِف الموقف الروسي الذي كان يعتمد على الميليشيات الإيرانية في الأعمال الحربية على الجبهات .

4-         مواجهة تداعيات تطبيق قانون قيصر الذي سيكون له آثار  مباشرة على روسيا و الشركات الروسية والذي سيؤثر بشكل كارثي على هذه الشركات وعلى مركز روسيا الاقتصادي المتضعضع أصلا من جراء العقوبات الغربية عليها.

 

وهذا كله يتطلب ديناميكة سريعة و عاجلة في إصدار القرار و هو ما يمكن أن يُفوّض به المبعوث الخاص للرئيس الروسي في سورية للتعامل مع هذه الاشكاليات و المخاطر , ومنحه صلاحيات واسعة تمكنه من ذلك والتي قد تفوق صلاحيات ” بشار الأسد ” لأن الأخير بالأصل عاجز عن التعامل مع أيِ من الملفات المذكورة ولا حتى مع الملفات الأقل خطورة و أهمية , ومن هنا يمكن القول بأن المبعوث الخاص سيكون بمثابة ” المفوّض السامي الروسي ” في سورية حتى لو لم يُعلن رسميا إحتلال سورية من قبل روسيا , رغم إنتهاء عهد الإنتداب والإستعمار رسميا بعد تحرر وإستقلال كل الدول التي كانت خاضعة لنظام الإنتداب .

26/05/2020

  • Social Links:

Leave a Reply