دور التدخلات الروسية الايرانية والايديولوجيات في مجال التربية و التعليم وطمس الهوية السورية

دور التدخلات الروسية الايرانية والايديولوجيات في مجال التربية و التعليم وطمس الهوية السورية

حوار مع الدكتورة خولة حسن الحديد
باحثة في باحثة في العلوم الاجتماعية والنفسية في شركة إدارة المعرفة في أبو ظبي

نُشر هذا الحوار في مجلة غيمبلز الانكليزية، وقامت الدكتورة خولة بترجمة الحوار ونشره على صفحتها، ونح بدورنا ننشره للقارئ لما فيه من معلومات مهمة حول أثر التدخلات الإيرانية والروسية والتركية أيضا، وتعدد الايدلوجيات التي تحكم الأمر الواقع على قطاع التعليم في سوريا، وما تتركه من آثار على الهوية السورية.

 

 

– ماهو الأثر الذي سينجم عن التدخلات الروسية الايرانية في مجال التربية و التعليم في محي وطمس الهوية السورية؟

أبرز مؤثرات النفوذ الإيراني في سوريا على التعليم هو إدخال مفاهيم ما يُسمى ب”الثورة الخمينية”، وايديولوجية نظام ولاية الفقيه إلى المناهج ومؤسسات التعليم، بهدف نشر المذهب الشيعي وفق الرؤية الخمينية والممزوج بثقافة فارسية، والتي تتنافر بالعمق مع جوهر الثقافة العربية، والتي تٌشكل هوية غالبية السوريين بمختلف أعراقهم، والتأثير الديني والذي أيضاً يُحدث تغيير جذري في الرؤية للحياة والتعامل مع كل مفرداتها، مما يُنتج هوية مشوهة لا تمت للسوريين بأية صلة.

ترصد إيران ملايين الدولارات للتأثير على قطاع التعليم في سوريا، بافتتاح مدارس دينية وحوزات علمية ليس لها من اسمها شيء حتى الوصف، وتأسيس جامعات ومعاهد باتت تستقطب بغض فئات السوريين المحرومين من التعليم وأبسط مقومات الحياة، وتقدم لهم المغريات للالتحاق بها، وهذا ما من شأنه ضرب الهوية السورية في عمقها العربي والمتعدد والمتنوع، والديني الإسلامي الوسطي المنفتح على كل الأديان والمذاهب، واستبداله بطقوس وشعائر متطرفة، تستنهض أكثر نقاط الماضي سواداً وتشوه الذاكرة الشعبية.

والشيء ذاته يفعله الروس، من خلال دعمهم للجماعات الدينية المسيحية الأرثوذكسية، وافتتاح المعاهد التعليمية التابعة للكنائس، والتي تعلم جيل كامل من المسيحيين معلومات مغلوطة عن الواقع السوري، وتصور ثورة السوريين على أنها إرهاب، وتبرر الاحتلال الروسي لسوريا بكونها المنقذ من الإرهاب، وهذا ما سيرسم ذاكرة مختلفة ويكتب تاريخ غير حقيقي لفئة من السوريين، تاريخ مليئ بتزوير الحقائق والتشويه والتضليل، مما يُحدث شرخاً بين بعضهم بعض ستمتد آثاره إلى المستقبل البعيد، إضافة إلى تعميم تعليم اللغة الروسية على حساب لغات أجنبية أخرى باتت ضرورة العصر كالانكليزية مثلاً، وافتتاح كليات بالجامعات خاصة باللغة الروسية، بهدف ربط عدد من السوريين بالروس، ليُمكن الاعتماد عليهم في تحقيق مصالحهم مستقبلاً، ولن يتم ذلك إلا على حساب السوريين وهويتهم الوطنية .

كيف تقيم حال المناهج السورية قبل الثورة و بعدها، و تطورها لبناء الشباب السوري؟

قامت المناهج السورية قبل الثورة، ومنذ السبعينيات على التنميط والأدلجة، وتكرّيس سياسة الحزب الواحد ( حزب البعث العربي الاشتراكي)، وتكريس عبادة القائد الأوحد “حافظ الأسد” ومن ثم ابنه “بشار” وكل أفراد عائلته، وغيّبت التعددية والتنوع، وكل مضامينها كانت تذهب لتأكيد هذين البعدين، فتم إلغاء كل تاريخ سوريا الحديث، وبدأ التاريخ بحكم نظام آل الأسد، وغابت أي معلومات عن أحزاب وحراك اجتماعي وثقافي ما قبل وصولهم للحكم، كما تم تشويه الكثير من المعلومات الخاصة بتاريخ العرب أو التاريخ الإسلامي، وأيضاً تغييب أي معلومات عن بعض مكونات الشعب السوري كالأكراد والتركمان، وهذه الفئات لها ثقافتها الخاصة التي غابت عن مناهج التعليم، بالرغم من كونها جزء أصيل من الشعب السوري، بالإضافة إلى عسكرة التعليم عبر فرض اللباس العسكري كنمط للباس المدرسي الرسمي، وفرض التربية العسكرية على المدارس والجامعات، وترديد الأناشيد العسكرية، وأدلجتها كلها وفق رؤية واحدة، رؤية الحزب الواحد والقائد الواحد.

ماهي الخطوات و السياسات التي قام ولازال يقوم بها النظام السوري لأدلجة ااطفال سوريا؟

بالإضافة إلى ما ذُكر سابقاً عن أدلجة التعليم وعسكرته، يُمكن الحديث هنا عن أمرين أساسيين: أولا: منظمة طلائع البعث، واتحاد شبيبة الثورة، والتي من خلالهما تتم تعبئة التلاميد والطلبة دون سن ال18 ضمن سياسات حزب البعث، وفرض انتماء الجميع له، وتعميم أفكار البعث بالصيغة الأمنية والعسكرتارية التي فرضها نظام الأسد، وهي صيغة إقصائية وإلغائية، تشوه ذاكرة الأطفال وتصنع لهم ذاكرة غير حقيقية، وتؤثر بشخصياتهم لأمد بعيد، من خلال المعسكرات الصيفية وفرق الكشافة وغيرها من نشاطات.

وثانياً: يُمكن الحديث عن الإعلام الموجه للأطفال والشباب، والذي يضم برامج أسبوعية عن المنظمتين المذكورتين، بالإضافة إلى البرامج العامة وغيرها، والتي لا تقدم للأطفال والناشئين إلا حقائق مزورة عن الآخر الشريك بالوطن، والجار القريب، وخاصة بعد الثورة السورية، والإصرار على تشويهها ووصمها بالإرهاب، وتصوير كل مسلم “سني” وقف مع الثورة هو مشروع إرهابي، إضافة إلى تجنيد الأطفال وانخراطهم في القتال وزجهم على الجبهات، بعد تدريبهم في معسكرات خاصة، مما سيؤثر بشكل جوهري على رؤيتهم للحياة، ونظرتهم للآخرين من أبناء وطنهم بشكل سلبي جداً.

كيف تقيم التعديلات او المبادرات التي قامت بعد الثورة، لتعديل المنهاج السوري في مناطق الثوار (حالياً في شمال غرب سوريا)، وأثرها في تنشئة وزرع الهوية السورية في أطفال سوريا و هل نجحت في ذلك؟

قامت مديريات التربية في بعض من هذه المناطق بتنقيح المناهج الصادرة عن مؤسسات نظام الأسد، وتم استبعاد الأفكار الحزبية وتمجيد القائد الحاكم، وهذا أمر جيد بلا شك، لكن إلى أي مدى استطاعت هذه المناهج أن تضع مضامين غير مؤدلجة بايديولوجيات أخرى؟

كما يطغى على مضامين المناهج الطابع الديني الإسلامي وفق رؤية معينة، وهذا أيضاً واضح في الجامعات والمدارس، من خلال المظهر ونمط وشكل اللباس المفروض على الطلبة وخاصة الإناث، ولا يُمكن نكران ولا تجاهل هذا البعد الذي يكرّس عدم المساواة بين الجنسين، والتمييز الواضح، إضافة لخلق نوع ونمط من التمايز بين السوريين عرب وأكراد، سنة وغير سنة، هذا التمايز الذي يُبعد ولا يُقارب بين الناس، ويؤكد على هويات محلية متعددة ومتنافرة، ولا يخلق هوية وطنية جامعة.

كما تعمل سلطة الأمر الواقع التي تٌسمى “قسد” وهي عملياً ممثلة بايديولوجيا حزب العمال الكردستاني، على فرض ثقافة الحزب الواحد، وعبادة الفرد الواحد، تماماً كما فعل نظام الأسد، وتمتلىء المناهج بخطب ورسائل وصور عبد الله أوجلان زعيم الحزب، وهو حزب تركي وزعيمه شحص تركي وقادته أتراك، وهؤلاء جميعاً غرباء عن ثقافة السوريين وأبعاد هويتهم المتعددة، حتى من الأكراد السوريين نفسهم، وتقوم سلطة الأمر الواقع بفرض دورات تدريبية على المعلمين والمعلمات تقدم معلومات مؤدلجة، وتنشر ثقافة وأفكار أوجلان وأتباعه، وتجبر الجميع على الخضوع لها، وإلا سيُحرمون من ممارسة عملهم، إضافة إلى فرض اللغة الكردية بالإجبار على الجميع، وهي في كثير من المناطق لا وجود لها، كون السكان غالبية عربية كمدينة الرقة مثلاً، وإشاعة التمييز العرقي بين طبقات المجتمع العربي والكردي والسرياني وغيرها من مكونات المنطقة، من خلال وجود مدارس كردية وأخرى عربية وأخرى سريانية، مما يجعل الطلبة غرباء عن بعضهم بعض، ومتجاورون وكأنهم في جزر منعزلة، ويجهل كل منهم الآخر، ولا شك أنه هذه الايديولوجيا وهذه الإجراءات ستؤثر بشكل سلبي على تطور التعليم ومضامينه، وتطور المجتمع وهويته، لكن لا أظن أنها نجحت ولن تنجح في المستقبل في تعميم هذه الثقافة الطارئة على سكان المنطقة، وهذه مرحلة استثنائية وستنتهي وتنتفي مع انتهاء الظرف الذي تسبب بوجودها، خاصة أنه لا يوجد اعتراف بشهادة الثانوية التي تمنحها الإدارة الذاتية التي تمثل “قسد”، ولا يوجد أي اعتراف إقليمي أو دولي أيضا بالجامعات التي أنشأتها .

– ماهو رأيك بالتعديلات التي تقوم بها مديرية التربية في مناطق درع الفرات على المنهاج السوري و أثرها في ذات السياق؟

قامت الحكومة التركية بإدخال اللغة التركية كلغة أجنبية ثانية إلى جانب الإنجليزية، كما يتم من خلال مضامين المناهج والأنشطة التعليمية الأخرى التركيز بشكل جوهري على الثقافة التركية، وخاصة العثمانية منها، وأيضا تمجيد العلم التركي والزعماء الأتراك، وهذه ايديولوجيا أيضا لا يُمكن غض النظرعنها، وهذا له أثر سلبي على ملامح الهوية السورية، والتي باتت عرضة للتشظي، بسبب تعدد هذه التيارات والايديولوجيات التي يخضع لها الناس، بحكم الأمر الواقع.

بالمحلصة لا يُمكن التعويل على جودة تعليم، وعلى تعليم بهوية وطنية، ومتوازن وعصري منفتح، في ظل الحال القائم اليوم في سوريا، والتي تخضع للعديد من الاحتلالات والتدخلات الخارجية، والأطراف المتعددة محلياً ودولياً، وكل منها يفرض أجنداته وتوجهاته، وكل هذا سيسقط وينتهي مع انتهاء هذه المرحلة، وعودة السوريين إلى كيان واحد موحد يجمعهم على هوية وطنية وهدف وطني واحد.

  • Social Links:

Leave a Reply