من إيفان الرهيب إلى بوتين الرقيع

من إيفان الرهيب إلى بوتين الرقيع

صفوان موشلي – الرافد 

لم يكن التنكيل بالمعارضين الروس أمراً مذموماً ولا حتى مستهجناً في الثقافة القيصرية الروسية، لطالما أحبَّ الروس قياصرتهم الأكثر بطشاً وتعسفاً، بدءاً من إيفان الرابع الّذي حكم حتى 1584، و سُمي تحبباً بإيفان الرهيب وصولاً إلى ألكسندر الثالث، والّذي عُرف بالمستبد.

لقد أحبَّ الروس قيصرهم الرهيب حبّاً جمّا، وعبروا عن حبّهم له واعتزازهم به في قصصهم وأشعارهم وكانت جرائمه مصدر فخر للشعب الروسي وما زالت عند كثيرين منهم، على الرغم من أن جلّ جرائمه كانت مستهجنة وقبيحة حتى في عصره، كالمذابح الجماعية التي تعتبر اليوم جرائم ضد الإنسانية.

من جهةٍ أخرى لم يكن البطش والسحل والقتل يدلّ على سفالة أو انحطاط في العصر السوفيتي “العظيم “، فقد تماهى الروس مع “ستالين” ورفعوه مثلاً أعلى لهم، في حين كان إيفان الرهيب مثلاً أعلى لجوزيف ستالين، ففي عهده أُعيد توصيف الأوبريتشنينا(= البوليس السري) لتصبح شكلاً من أشكال الصراع مع الأرستقراطية وركناً من أركان القوة القيصرية.

حرر ستالين شخصياً كتب التاريخ السوفيتية لتصوير حكم إيفان بشكل إيجابي، كما ناقش صورة القيصر مع المخرج، سيرجي آيزنشتاين، الّذي أخرج فيلماً هو بمثابة سيرة ذاتية لإيفان الرهيب، وقد طمس جلّ حماقاته وجميع جرائمه، فأعاد له اعتباره مُظهِراً شدّة إعجابه وتأثره بإيفان، في حين كره قيصره الضعيف الّذي حرر الأقنان وألغى العبودية وهو القيصر الّذي ثار عليه رفاقه البلاشفة.

لقد حاول خلفاء “ستالين” الذين أسسوا النظام الشمولي لهم وللدول الدائرة في فلكهم، أن يكونوا عند حسن ظنّ ثقافتهم المؤسسة على التوحش، فتماهوا مع الزعيم المؤسس، وعندما استنفذ الاتحاد السوفيتي صنوف التنكيل والاضطهاد انهار متداعياً إثر عجزه عن ابتكار وسائل وأدوات قمع جديدة تنال من حرية الإنسان وكرامته؛ لذلك قرر الروس أن يتخلصوا من نظامهم الهرم ويسلموا الراية للاتحاد الروسي الّذي تأسس على أنقاض الحقبة السوفيتية.

بعد أن دخلت موسكو في الفوضى التي سببها زعيمها السكير، يلستن، كانت تتطلع لرجل قوي يستلّهم “عظمة روسيا “، ووقع اختيار جهاز الاستخبارات الّذي كان اسمه من عدّة أيّام (الكي جي بي) على عميلهم بوتين، الذي نصب رئيساً، ولكنه بقي مشكوكاً باستمراريته إلى أن باشر بتنفيذ الجرائم المتتالية في عموم روسيا، وخاصةً تلك التي باشرها في الشيشان الّذي هدم مدنه وشرّد سكانه بما في ذلك عاصمته كروزني عبر استخدام كلّ صنوف الأسلحة التي دخل فيها الاتحاد السوفيتي، سباق التسلح مع الولايات المتحدة الأمريكية. لقد نفذّ عملياً ما اصطلح عليه مجازاً بسياسة الأرض المحروقة، واليوم وبعد مرور أكثر من عقدين على مجازر الإبادة ورغم محاولة استعارة سكان جدد من الأقاليم المجاورة تكاد لا تجد من تكلمه في غروزني العاصمة.

لم تكن الدكتاتورية التي وصل إليها نظام الحكم في الفيدرالية الروسية خياراً إجبارياً أبداً، فقد أرادت النّخب الروسية (على الأقل جزء مهم منها ) أن تنتقل إلى نظام ديمقراطي وجدوه قد أورف رفاه وسعادة في الغرب الليبرالي، في حين أوصلتهم الديكتاتورية إلى جوع مهين رغم الإمكانات الهائلة التي حبا الله بها روسيا!، وقد كان من مصلحة الغرب أيضاً أن يدفع روسيا لانتهاج نهجٍ ديمقراطي على الأقل لاستبعاد استخدام الأسلحة النووية ضد خصوم الأمس؛ لذلك قدم الغرب يد العون لإعادة هيكلة الاقتصاد الروسي، وإعادة ترتيب الأولويات ليكون في خدمة السكان الذين تمّ التضحية برغباتهم لصالح النظام المتضخم، لكن هذا النهج سيطيح دون شكّ بامتيازات كل من البوليس السري ورجال الاستخبارات وكبار ضباط الجيش والصناعات الحربية، وبالفعل بدأ كل أولئك المتضررين بالتوحد أمام المطالب الديمقراطية الخجولة، فعملوا على اعتماد ديمقراطية خاصة تناسب “الخصوصية” الروسية، لا يعيبها تبادل الكراسي بين بوتين ورئيس وزرائه ولا حتى احتكار المناصب والامتيازات الاقتصادية ضمن شلة من الأقارب والمعارف المخلصين بما يماثل تنظيم عائلات المافيا، ومن ثم باسم الخصوصية والسيادة الوطنية استطاع بوتين أن ينال اعتراف الشعب بضرورة انتخابه مدى الحياة متى أراد ذلك، بعد أن تمّ إصلاح الدستور ليناسب الخصوصية الروسية وبما ينسجم والسيادة الوطنية.

اليوم يتسائل الجميع، لماذا وصلت روسيا إلى هذا المنحدر، وهل من الممكن إنقاذها بمنعها من الانتحار بعد أن وصلت إلى هذا الدّرك من الفساد والاحتقان ذو الوجوه المتعددة؟
لا أحد يرغب في الإجابة عن السؤال الثاني حتى لا يكون مضطراً للتدخل في هذا الوسط شديد التعفن، لكننا نستطيع إلقاء اللوم ولو جزئياً على الغرب الليبرالي، وبالتحديد على الولايات المتحدة وكلّ من ألمانيا وبريطانيا، جواباً على السؤال الأوّل. فقد كان موقف هذه الدول الثلاث الأكثر تأثيراً على الاتحاد الروسي، كان موقفاً متساهلاً تجاه الخرق الفاضح لحقوق الإنسان في القفقاس ابتداءاً ثم تجاه القمع الذي واجه فيه بوتين معارضيه الليبرالين، حيث زجّ بالمئات من الناشطين في السجون لأسباب تبدأ بخرق قانون السير وتنتهي بحيازة المخدرات، ومن ثمّ تمّ تصفية الغالبية العظمة منهم بوسائل عرضية، أما زعماء المعارضة فقد تساقطت بهم الطائرات أو قضوا بحوادث سير مريعة، ومن تجرأ على الهرب إلى الخارج فقد لاحقته الاستخبارات السريّة وتمّ تسميمه حتى على أراض دول أخرى.

إذا استعرضنا الأشخاص الذين تمّ تسميمهم بالمواد المشعة والغازات السامة، كعائلة السارين شديد السمية أو البولونيوم المشع كا – ( ألكسندر ليتفينينكو، الذي سمم بالشاي الممزوج بمادة البولونيوم-210 شديدة السمية عام 2006 فمات تحت تأثير هذا السم – أو مرشح المعارضة الأوكرانية وبطل الثورة البرتقالية فيكتور يوتشنكو الذي سمم في أيلول/سبتمبر 2004 بمادة الديوكسين – في حين سمم العميل المزدوج سيرغي سكريبال وابنته يوليا في آذار/مارس 2018، بواسطة غاز الأعصاب، وتمّ تسميم، بيوتر فيرزيلوف، الناشط في فرقة بوسي رايوت في 14 أيلول/سبتمبر 2018، والبارحة تمّ الكشف عن المادة التي سممت المعارض الروسي، اليكسي نافالني، الذي يعالج في إحدى مشافي برلين فتبين أنه تسمم في روسيا بعنصر من عائلة “نوفيتشوك” وهو من أشدّ غازات الأعصاب فتكاً، ولا ننسى استخدام الغاز السام في فك الحصار عن مسرح موسكو المزدحم في 23 أكتوبر عام 2002، من قبل هيئة الأمن الاتحادي المعروفة بـ (إن. إس. بي) وهي وريث جهاز ال«كي. جي. بي» حيث ادّعت أنها استخدمت غاز النالوكسون المخدر، ولكنه أدى إلى موت الرهائن والخاطفين على السواء إثر حقنه بكميات خانقة في مجاري التهوية، وكانت ضحية هذا التهور أكثر من 200 مختنق.

يُظهر هذا الاستعراض الأولي، أن عدد الضحايا كبير ويتعاظم، فحتى عندما يكون مُتاحاً لأجهزة بوتين تصفية معارض مهم بطلق ناري أوحادث سير، تفضل أن تعطيه السارين في كأس شاي، فقد أصبح النظام البوتيني، يمتلك علامة قتل مميزة كما هو الحال مع السفاح المتسلسل، فالبصمة المميزة تعادل بأهميتها قتل المعارض عند بوتين. أنها الخصوصية الروسية مدموغة على أوراق السيادة الوطنية.

أعربت المعارضة الروسية عن خشيتها وكبير خوفها من التداعيات اللاحقة لانتخاب بوتين مدى الحياة، أي حتى عام 2030 بعد فوزه بالتعديلات الدستورية الأخيرة، إذ لم يتأخر الرئيس بوتين في إرسال رسالة قوية لمعارضيه، فقد أعطى الضوء الأخضر لرفع الستارة عن أوّل تماثيل إيفان الرهيب في بلدة أوريول، التي تبعد 200 كلم عن موسكو، حيث يقام احتفالاً بمرور 450 عاماً على تأسيس أوريل، ومن المرتقب الكشف عن التمثال الثاني في مدينة ألكسندروف دون مناسبة هذه المرة، فجأةً أصبح إرث أحد أكثر حكام روسيا رعباً وإثارةً للجدل موضوعاً ساخناً على صفحات الرأي وفي البرامج الحوارية، وهي إشارة واضحة أن كل القمع السابق لم يكن إلا بداية، ويدافع البوتينيون عن هذه الخطوة بنشوة منتصر، فعضو البرلمان المحلي بوتومسكي، يقول إنَّ: “إيفان الرهيب مجرد حاكم واحد وسط تاريخ ممتد من القادة الروس الأقوياء الجديرين بالإعجاب”، وهو يُزين مكتبه بلوحة زيتية لفلاديمير بوتين وتمثال مطلي بالذهب لفيلكس دزيرجينسكي، مؤسس “شيكا”(=استخبارات القيصر)، التي واصلت طريقها لتصبح “الاستخبارات السوفيتية”.

وتابع بوتومسكي، القول إنَّ: “كل عصر احتاج لقائده القوي الخاص، سواء كان إيفان الرهيب أو ستالين أو بوتين، وإن روسيا كانت قوية فقط في الوقت الذي تمتعت فيه بقائد قوي”، وأضاف “انظر إلى حجم هذه البلاد”، وهو يومئ باتجاه خريطة روسيا الجدارية، “كيف لك أن تحكمها بخلاف ذلك؟ لن تفلح أن تحكمها بلطف وتسامح أبداً. نحن بحاجة لحاكم قوي. والناس هنا تحترم السُلطة القوية، تذكّر كيف كانت تتم معاملة روسيا منذ 15 عام مضت؟ واليوم بفضل بوتين استعدنا موقعنا في العالم”. أنهم يشيدون بعظيم الأمة الروسية وزعيمها القوي، والذين يطالبونه بإظهار مزيدٍ من القوة والحزم، للحفاظ على قوة روسيا والعمل على تعظيمها.

بقي أن أسأل البوتينيون في منصة موسكو وأخواتها، هل من الممكن أن نعول على منظومة الحكم البوتينية، في أن تساعد السوريين على الانتقال إلى الديمقراطية أو حتى مدهم بعون ما في العثور على المغيبين وسجناء الرأي أو حتى ملاحقة المتورطين في جرائم الغازات السامة؟ طبعا لا ففاقد الشيء لا يعطيه.

أن ما اقترفه النظام البوتيني في روسيا، وما يقترفه في سوريا من بطش وتدمير وخنق بالغازات السامة سيكون له عواقب وخيمة على نظام القمع في موسكو، وعلى بوتين شخصياً. أن خلطة القيم البوتينية القائمة على الشعبوية والتمييز القومي مع ملاط من الديكتاتورية المؤسسة على خرق حقوق الإنسان، هي وصف تفصيلي للنازية الجديدة، ولن تفلح النازيّة من جديد فالبشرية لا تعيد أخطائها.

  • Social Links:

Leave a Reply