المقطع الاول من القصيدة من ديوان
مثلَ شفرةِ سكّين
نجاة علي كاتبة وشاعرة مصرية حاصلة على الدكتوراه في الأدب العربي الحديث صدر لها مجموعات شعرية
كائن خرافي غابته الثرثرة 2002 –وحائط مشقوق 2005 – “مثل شفرة سكين” -2010.
كما أصدرت مختارات شعرية ولديها ديوان جديد قيد النشر
وكتابين في النقد الادبي عن الراوي في روايات نجيب محفوظ والمفارقة في قصص يوسف إدريس
وكتاب يوميات عن ثورة 25 يناير بعنوان الطريق الى التحرير
(1)
أحبُّ هذه القبورَ المظلمةَ بلا صَخَب, أتنزَّه فيها على سجيتي, أقطعُ فيها المسافاتِ لأضيِّعَ الوقتَ على طريقتي, بإمكاني مثلا أن أنعمَ بصحبةِ الموتى “جيرانِ أبي الطيبين”, هم- فقط – الذين لا يقاطعونني حينما أتحدَّثُ عنه, وأنا أنبشُ قبورَهم بحثًا عن جثمانِه, فكثيرا ما حاولت أن أخمّنَ موضعَ الحفرةِ التى دفنتُه فيها, لأرى ما تبقَّى منه, حين كنت أجيءُ لزيارته أيام السبت في الشتاءِ, الشتاءِ الذي يحبه مثلي – مع أنه مات دون أن يقول لي شيئًا عن غايةِ وجودي في هذا المكانِ القذرِ. هو في الحقيقة لم يقل لي أية إجابة واضحة حينما كنت ألحّ عليه في السؤالِ, ولم أرث منه سوى حفنةِ هواجس, وبعضِ الوصايا القديمةِ التي يُعلِّقها إخوتي – بإصرارٍ مدهشٍ – على حوائط البيت بجوار صورته الكبيرة ,ظللت لسنوات طويلة أنتظر بثقةٍ اليومَ الذي ستسقطُ فيه هذه الوصايا وصورتُه و الحوائطُ .
أتصدقون : رغبةٌ واحدةٌ هي ما تشغلني … أتعرفونها ?!
أن أغيبَ عن الوعي – ولو لدقائق- ثم أفيقَ بعدها لأجدَ الولدَ الذي خانني – دون خجلٍ – جثةً متحللةً تحت قدمي, تأكلُ عظامَ رأسهِ حشودُ النملِ التي تزحفُ خلفي لتفترسني, وأن أنسى ذلك العجوزَ الذي ظللتُ ألهثُ وراءَه خمسةَ أعوامٍ كاملةٍ دون كللٍ – على أمل أن يحبَّني. كان يشبه أبي فعلا, الخربشاتُ التي تركها لي في الصدرِ أكدتْ لي ذلك.
أعرفُ أنني أفسدتُ عليكم عزلتَكم بأمورٍ مزعجةٍ لا فائدة منها , ومع ذلك يمكننا أن نتكلم عن شيء أفضل, نفتح حديثا أقل ألمًا, نتكلم عن العناكب مثلا التي تلتف حولي من كل جانب, سأدخل مغاراتها الموحشة, لأعرف لماذا ضللتني طويلا, ولأتفرجَ على خرائبِ الهياكلِ القديمةِ, والأفاعي التي تطنُّ بأجراسِها في رأسي.
وللكلامٍ عن العناكبِ مزايا عظيمةٌ لا يقدِّرُها أمثالكم, يعرفُ قيمتَها- فقط – أصدقائي من الشعراء والحمقى.
صرتُ أتابعُ حركاتِها بحماسٍ زائدٍ, كانت في الغالب سوداءَ ومثلثةَ الزوايا, ولا تنظر إليَّ مطلقًا حين “أندهها” . أفرحُ حين أشعرُ بحركةِ الساقطِ منها في معتركِ الحياة أو حين أرى المسجّى منها في التوابيتِ المغطاةِ بالزجاجِ .
مسكينةٌ فعلاً هذه العناكبُ, لم يكرِّمْها أحدٌ حتى الآن ولا حتى أنا.
يكفيني إذن أن أراقب – بنشوةٍ – العقاربَ التي تتلكأ في لدغي. أتأملُها وأنا عاريةٌ من كلِّ شيءٍ إلا هذا البياض الذي يلفُّني.أستقبل برحابة صدرٍ- تحسدونني عليها- تلك الوخزاتِ المتلاحقة. رغم أنكم مثلي, تصبحون معي على هذا العدمِ الذي لا أوَّلَ له ولا آخر, وتلك العينين المتبلدتين, وهذا الجسدِ الممددِ وحدَه في الظلام, وذلك الصمتِ المطبقِ على الصدرِ .

Social Links: