أسد القصار
تماشيا مع الاحداث …
بدأت المنشورات المنقبة في صخور التراث الإسلامي بالانتشار على صفحات الأصدقاء من مثقفين وكتاب بهدف استخراج النصوص والحوادث الحاضة على العنف والقتل وسفك الدماء وتصديرها للرأي العام على أنها هي السبب الرئيسي في انفلات سعار القتل وقطع الرؤوس والارهاب الإسلاماوي في فرنسا وأوربا من جديد ، نصوص وآراءٌ فقهية يزيد عمر تدوينها عن 1200 عام .
،،، من حيث المبدأ فإن أي جهد فكري ونقدي يتناول منظومة الإسلام أو أحد مواضيع هذه المنظومة كالتراث مثلا لهو أمرٌ محمود .. شئنا أم أبينا احببنا ذلك أم لم نحبه فالإسلام .. هو الحامل الثقافي الأكبر للهوية المشرقية عموما وللسوريين خصوصا معالجة هذه المنظومة وتطوير ادواتها وافكارها وتنقيحها لهو أمر في صالح شعوب باتت تعيش غربةً حضارية عن العالم بقيد نص قديم أو رأي فقهي تاريخي ذو سياقٍ تاريخي وسياسي واقتصادي محدد ، انتهى وافل زمنه … وعليه فإن رفد تلك القرآءات النقدية وعرضها لجمهور القرآء .. لهو أمر ذو قيمة علمية اجتماعية بحتة … لربما استفزت او أغضبت قارءاً هنا باعتبار أن الشائع لدى الناس أن كل نص ديني تابوه لا يمكن الاقتراب منه ، او لامست الرضى والقبول في عقل قارئٍ آخر يرى في التفكير خارج الصندوق امرا لا يتناقض مع إيمانياته وثوابته … وقد تعطينا هكذا مواد ثقافةً نلم بموجبها مسائلا كتاريخ تشكيل الهوية الجماعية ، تشكل الطوائف ، تداخل الدين بالسياسة والاقتصاد ، قيام الجماعات الرادكالية ، وقد كتبت كما كتب غيري الكثير من المقالات في هذا الباب …. الا أن التصور بأن هكذا مقالات قد تحدث تغيراً لهو تصور رومانسي إن صح التعبير ، يبدو أننا ككتاب .. نسينا أن دورنا يقتصر عند نشر الافكار( التنوير ) .. لا تحقيقها على أرض الواقع.. فنجان القهوة والأوراق واقلام الحبر والسجائر والابتوب والكتب والمراجع المرصوصة في صالون كل منا ليست أدواتٌ للتغيير على الإطلاق .. ربما يكون التنوير بمثابة خارطة طريق جديدة. لكن التغيير لا يأتي الا بارادة جمعية يرافقها مصلحة آنية في التغيير بالاضافة الى القدرة .
وعليه ،،، فإن طرح هكذا مواد في هكذا توقيت حساس لن يقدم حلا أو يكشف عن سبب عوار ما ، بقدر ما سيكون معمقا للهوة بين ذوي الوعي وباقي الناس ممن يدُفع اغلبهم العاطفة الدينية لاتخاذ موقفٍ او موقفٍ مضاد مما يحدث الآن .
فلنعد الى حادثة الكنيسة التي وقعت بالأمس في مدينة نيس في فرنسا ولنكن او فلنحاول أن نكون في موقع المراقب والمحلل المحايد…
∆المصلون في الكنيسة : يبتهلون الى ربهم خاشعين وبين أيديهم الكتاب المقدس … فهل تدرك السيدة العجوز المذبوحة بأن هذا الكتاب يحوي على أكثر من 200 موضع مختلفة تحض كلها على القتل والذبح والحرق والاغتصاب ؟ لا اظن ذلك
∆ القاتل الإرهابي : هل كان ملما وفاهما لكتب الفقه والسير والتفاسير والحديث … اكاد أقطع بانتفاء ذلك
# العجوز تصلي طلبا للرحمة ، والقاتل فعل فعلته لأنه وبدفعٍ ضوئي السرعة من ماكينة ضخ وتوجيه اعلامي سياسي راديكالي إسلامي أحمق … تصورها عدوا افتراضيا للإسلام قتلها ! ،قطع رقبتها وهو يظن ان ما أقدم عليه لهو دفاع مشروع في خضم حرب تشنها الدولة الفرنسية على الدين ورسوله .
#أين النص ؟ أين تأثير النص والتراث والفقه ؟ لا تأثير … صفر !
∆الأديان .. كل الاديان تحوي نصوصا مسمومة ، كالشوك في الأطباق البحرية والأسماك … نبش هذه السموم عوضا عن الاجتهاد في الترويج لفكرة التسامح والمحبة والتعقل في ظرفنا الراهن كمن يقدم للناس شوكا بدلا من اللحم .
…. لو أن الساسة في الاليزيه منذ بداية هذه الموجة منذ شهر او شهرين… أرفقوا اعلانهم عن قوانين جديدة تهدف الى حفظ قيم العلمانية والأمن في فرنسا ( وهو أمر مشروع ومفهوم ومتقبل )… بعبارات واضحة وصريحة تفرق بين المسلم والإسلامي ، بين الإسلام كدين والتوجهات الرادكالية لجماعات تعتبر الاسلام مرجعا لها ، وأكدت على حقوق المواطنين الفرنسيين المسلمين ، لما وجد مروجي الكراهية والمتطرفيين الاسلاميين ثغرةً ينفدون منها الى عقول الناس وعواطفهم ولما نجحوا في تغطية الباب الناس بهذه اللوثة السوداء التي صورت للناس أننا نعيش حربا طرفها فرنسا والفرنسيون وطرفها الآخر الإسلام ونبي الإسلام والمسلمين .
لوثةٌ .. اعمت ابصار الكثيرين عن استنكار جريمة قتل المعلم الفرنسي وقطع رأسه وتوجيههم لحملة كراهية وعدائية ( مغلفة بدعوى مدنية سلمية لمقاطعة البضائع الفرنسية ) اتجاه كل ما هو فرنسي
تلقفها اردوغان كفرصة ذهبية الضغط على خصومه الاوربيين … مما ادى الى تعاظم أثرها … وتمددها ووقوع ما جرى من جريمة نكراء في كنيسة نيس .
…. للأسف ، (كرت المسبحة كما نقول في دمشق) ، حوادث الاعتداء على سيدات محجبات في السويد والمانيا والدنمارك من قبل عنصريين من اليمين تتوالى الى اسماعي تباعا
تراجع الدعوات المطالبة ببقاء اتفاقية بصمة دبلن وبقاء قوانين اللجوء في أوربا كما هي تراجعت حتى بلغت الصمت المطبق ، لصالح دعوات بانهاء الاتفاقية وجعل حدود أوربا الخارجية حديدية في وجه الاجئين وتشديد اجراءات الترحيل والتضييق على الاجئين ممن حصلوا على حق الاقامة والحديث عن اجراءات أمنية ورقابية مشددة تحد من حرية الاجئين كاجراء احترازي ضد اي عمل ارهابي محتمل واقرار ذلك في الاجتماع الاوربي المزمع قيامه في الفترة القريبة القادمة هو ما ننتظره بكل توجس.
… ختاما يتبادر الى ذهني سؤالين أوجه احدهما الى الحكومة الفرنسية و الآخر للإسلامين الذين يدعون الغيرة على مقام النبوة :-
∆ هل حققت الحكومة الفرنسية بخطابها الغير مدروس أي هدف مرجو من حزمة القوانين الجديدة التي أصدرت لحفظ قيم العلمانية والأمن الوطني في فرنسا ؟
∆ الاجابة : قطعا لا… بل كانت احد مسببات دخول البلاد في معركة مع الإرهاب والتطرف قد تقسم المجتمع الفرنسي الى الأبد , وتعزز الخيار والخطاب اليميني المسيحي وتقويه ، ناهيك عن حدوث خروقات أمنية وجرائم لا نعلم متى ستنتهي .
∆ هل حققت حملاتكم الإلكترونية المعنونة اغلبها ب ( الا رسول الله ) هدفها الذي تزعمون … الدفاع عن مقام النبوة ، واعطاء صورة حقيقية وحضارية عن الإسلام ونبي الإسلام ؟
∆ الإجابة : قطعا لا … فقد فُهمت هذه الحملات على انها مساندة و موافقة ومؤازرة لفعل القتل في مواجهة التعبير عن الرأي ، وأكدت الصورة التي ينشرها اليمين المتطرف في أوربا بأن كل مسلم ماهو الا قنبلة موقوتة سنتفجر في أي وقت ذبحا وتنكيلا وقطعا للرؤوس ، وستكون ذريعة قوية في ايدي ساسة اليمين لشن حرب حقيقية ضد مصالح المهاجرين المسلمين واقواتهم وارزاقهم ومعاشهم وحرياتهم .
… رغم تعقد الموقف وشدته الا أن الحل ما زال متاحاً ..
و ألا وهو… احكام التعقل ديدنا
– بتشذيب الخطاب الحكومي الفرنسي ( دون التنازل عن حزمة قوانين اراها محقة )
– ارادة وقف السعار الشعبي في الاوساط الإسلامية في فرنسا ونأي هذه الأوساط نفسها عن الحملات التي قيدت من خارج البلاد واعلان ذلك صراحةً وتشكيل لجان مدنية منتخبة من عقلاء هذه الأوساط وما اكثرهم والجلوس على طاولة واحدة مع الحكومة لحل الاشكالات التي علقت بسبب عبثية الخطابات التي سادت الموقف في الفترة الماضية
… لكم اتمنى من كل قلبي حدوث ذلك في أقرب وقت ممكن قبل أن يفلت العقال من يد الحكماء .. ويتسود الحمقى المشهد .. هل لكم ان تتخيلوا أن مصائرنا ومصائر ابنائنا قد تصبح في يد الحمقى يوجهونها كيف شاؤوا ؟ وما سينجم عن ذلك من مآسي ؟ إن هذا لسيناريو قاتم لا أريد حتى أن أفكر في تفاصيله المرعبة .

Social Links: