الثقب الاسود لثروات ومقدرات البشرية

الثقب الاسود لثروات ومقدرات البشرية

( بمناسبة سقوط الترامبية العنصرية وبقاء مخلفاتها “العربية” !)

د. عارف دليلة :

في هذه اللحظات يشهد العالم ما يشبه الاجماع في الكونغرس الاميريكي على تعطيل فيتو الرئيس الاميركي (الباقي في ولايته القانونية ثلاثة اسابيع) على قانون موازنة الدفاع الاميركية التي ارفق بها مشروع يتعلق بالرفاه العام ويقضي بتوزيع ٢٠٠٠ دولار لكل عائلة اميريكية لدعمها في تحمل اعباء جائحة كورونا ، وهذا بخلاف قرار الرئيس ترأمب لمبلغ ٦٠٠ دولار فقط ،  وليصوت اغلبية الاعضاء الجمهوريون الى جانب اعضاء المجلس من النواب الديمقراطيين ، وكانهم يشيرون الى سقوط ترامب سياسيا قبل انتهاء ولايته الرئاسية مع حصول  قرار مجلس النواب على اغلبية الثلثين ( ٣٢٢ عضوا ) بما فيهم اغلبية الاعضاء الجمهوريين . يحصل هذا بعد ان بلغ هذا اليوم عدد نزلاء المستشفيات الاميريكية في حالة اسعافية بسبب الجائحة رقما قياسيا وهو ١٢٠ الف نزيل وتجاوز عدد الذين فقدوا حياتهم لهذا السبب في الشهر الاخير ال ٦٦ الفا ، اي ما يزيد عن الالفين بالمتوسط يوميا ، وذلك من بين مايزيد عن مليون وثلاثمائة وخمس وثلاثين الفا العدد الاجمالي لضحايا كورونا حتى الان في الولايات المتحدة وحدها .

مما سبق ، يجدر ابداء الملاحظات التالية :

١ _  تهنئة الشعب الاميريكي ، شعب ما يسمى اليوم ب          ” الرأسمالية الوحشية ” الاميريكية ، على انه ، دون تمييز بين عوائله ،  في هذه المحنة على الاقل ، يتمتع ، على قدم المساوة ،  برعاية ” دولته ” ، دون تمييز عنصري او طبقي ، وهذه المساواة ليست بحكم القانون او بفضل الاخلاق الانسانية ، بالضرورة ، بقدر ماهي ب “فضل” فيروس كوفيد ١٩ على البشرية !

٢ _  يقابل هذه الفرحة الاميركية المعممة ، في بلداننا المنكوبة ،  سورية ، بالاخص ، و ما يسمى ب             ” العالم العربي ” ، على العموم  ، شعور لايوصف بالالم والمأساة والنكبة العظمى غير المسبوقة التي تغرق بها شعوبنا العربية منذ سنوات وعقود من ” الحكم الوطني !!!” ” ( هذا اذا تجاوزنا قرونا من العبودية والامتهان تحت حكم محتليها الهمج الخارجيين والمحليين ) ، باعتبار هذه الشعوب ، في نظر حكوماتها و ” آلهتها الارضيين ” ، القديمين والمحدثين ، ليست  اكثر من حشرات دنسة لا تستحق غير الاستمتاع والتلذذ بقتلها وامتهانها بابشع الوسائل ، حتى وهي قابعة بصمت وخنوع تحت السقوف المتواضعة التي قضت اعمارها لإشادتها ، ولا تستحق الا التمتع بنهبها وتجويعها وتعريضها الى الأوبئة وغوائل الطبيعة وتهجيرها وابادة جميع عقولها ونشطائها المبدعين بافنائهم وراء القضبان وفي غياهب الزنازين  ، او ، في احسن الاحوال ، التمنن عليهم باطلاقهم الى العراء حيث تحكمهم غوائل الطبيعة الغشماء من البرد والسيول والاوحال اوالحر الشديد و الجوع والمرض والعطش والافتقار الى ابسط شروط الحياة  ، وما لايحصى من الحصارات ( والعنها ، حرمانهم من العودة الى بيوتهم المتواضعة  التي طردوا منها وان كانت مخيمات لجوئهم لاتبعد عنها اكثر من كيلومترات وتراها بالعين المجردة ! ) ،  او تركهم الى احلامهم بتمني خوض تجربة النبي يونس ، انتظارا للإنقاذ الالهي الموعود ، باللجوء الى جوف الحيتان ، ” الاكثر امانا ” من القلوب المفحمة بالسواد والحقد لطارديهم من اراضيهم ومآويهم الموروثة عن اجدادهم . هذا ما اصبح عليه حال شعوبنا المنكوبة التي لم تعد تسمع حتى كلمة العزاء والتعاطف وهي التي لايمر عليها يوم الا وتفاجأ باشنع التهديدات ، وليس اقلها الحرق المتعمد لخيام اللجوء الذي يراد لها ان يكون” الى الابد ” ، تكرارا لنكبة اللجوء الفلسطينية قبل ثلاثة ارباع القرن التي حصلت  بقوة العالم المتواطيء مع دعاة الصهيونية العنصرية واذنابهم المحليين ، ما دامت هذه الشعوب ارتضت ، مكرهة ،  ان تكون من محكومي سلطات الامر الواقع والحيتان المحتلين الاكثر  همجية و شراهة وحقدا على البشر  !

٣ _  بعد هذه المقارنة في تعامل السلطة مع الشعب مابين “وحشيتين” : وحشية الراسمالية الاحتكارية المعاصرة ، ووحشية همجية ما قبل التاريخ الانساني ( التي ابتليت بها شعوب بعض الدويلات العربية المعاصرة ) ننتقل الى التحليل الاقتصاد سياسي للنظام الاقتصادي و النقدي العالمي ، الذي يعتبر النظام الاميريكي ابلغ تجسيد له ، وللنظام ” العربي! ” الاكثر تبعية له والتصاقا به  ، كواحدة من ” قرادات” ذلك النظام العالمي الوحشي .(“قرادات”جمع “قرادة” وهي الحشرة المقرفة التي تلتصق بقوة بجسد الابقار لتمتص دماءها ، مع فارق انها في مثالنا الراهن ليست هي التي تعيش على امتصاص دم الجسد الذي تلتصق به ،  بل هي تمد الجسد الذي تلتصق به بدماء الحياة التي يحتاجها ، متفوقة بذلك بصورة استثنائية على جميع قرادات الارض الاخرى المماثلة !)

والسؤال الاول والمركزي هنا : من اي خزانة مفتوحة لهم بلا حدود ياتي المشرعون والحكومة ووزارة الخزانة والاحتياطي الفدرالي الاميريكيون بالاموال لتغطية ولتمويل هذه “المكرمة” التي يوزعونها على الشعب الاميريكي المحظوظ ، (دون حسد ، مع التمني بامكانية تعميم هذه “المكرمة” على البشرية بالتساوي ، مع تمتع هذه المنحة بقيمتها الحقيقية المتمثلة بكمية السلع والخدمات التي تشتريها ، دون خشية من ان يطفئ التضخم  هذه القوة الشرائية فور توزيعها ، لو تقررت ، او ، حتى قبل توزيعها ، كما يحصل في جمهوريات الموز العربية في العادة المألوفة !) .

الجواب على هذا السؤال يتمثل في  جوهرة النظام الاقتصادي النقدي الوحشي العالمي . وهي ” الدولار الاميريكي “، الذي اقيمت من اجل دعم اكتسابه صفة النقد العالمي ، اضافة الى صفته كعملة وطنية اميريكية،  كبديل للذهب والقيم الاخرى ،  مؤسسات ثلاث ، عالمية في مظهرها ، اميريكية في جوهرها ، وهي : منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد العالمي .

لقد فرض هذه “الجوهرة ” على هذا النظام الاقتصادي النقدي العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية المندوب الاميريكي ( وايت )  في مؤتمر بريتون وودز الذي عقده عند انتهاء الحرب المنتصرون فيها ، ممثلا للمنتصر الاوحد اقتصاديا وهو الولايات المتحدة الاميريكية ، بينما كان العالم كله ، وبالاخص الحلفاء الآخرون المنتصرون ايضا عسكريا ( بما فيهم الاتحاد السوفييتي بقيادة زعيمه ستالين _المنتصر الاكبر عسكريا )هم الخاسرون والمحطمون اقتصاديا وعمرانا بشريا ! وقد فرض وايت مشروعه ،الامريكي الوطني ، باسقاط المشروع ، العالمي الراسمالي ، الذي تقدم به للمؤتمر صاحب النظرية الاقتصادية للراسمالية المعاصرة .المندوب البريطاني جون مينرد كينز والذي كان ينص على انشاء نقد عالمي يصدره بنك مركزي عالمي تساهم به مختلف الدول ويجري ادارته وتداوله عالميا بالمشاركة ، وليس من قبل دولة واحدة ، على نمط الركائز الثلاث للنظام الاقتصادي العالمي المذكورة سابقا . اما لماذا سقط مشروع كينز في المؤتمر واقر مشروع وايت فالامر راجع الى ان من اهم نتائج تلك الحرب كانت حيازة الولايات المتحدة وحدها على ٩٠% من ذهب العالم والدمار الشامل للطاقات الانتاجية والاقتصادات في الدول الاخرى واحتياجها للولايات المتحدة في كل شيء ، من الحاجات الغذائية الى المصانع والالات الزراعية والى السلاح  !

وكان العنوان الابرز الذي فرضه على مؤتمر بريتون وودذ المنتصر الوحيد اقتصاديا ( الولايات المتحدة الاميركية ) هو النظام النقدي العالمي الذي يتولى فيه الدولار الاميريكي ، ( بناء على وعد ” قاطع ” من الولايات المتحدة بالتزامها الى الابد بتبديل الدولار بالذهب عند الطلب لكل راغب في العالم متى شاء وبسعر صرف ثابت وهو ماكان سائدا عند ذاك ٣٥ دولارا لاونسة الذهب ، وهو الوعد الذي تنصلت منه وانسحبت كالشعرة من العجين في آب عام ١٩٧١ بقرارين اسميا ” صدمة نيكسون ” اصدرهما الرئيس الاميريكي نيكسون بقطع العلاقة بين الدولار والذهب واطلاق العنان للسوق بتحديد السعر بينهما حتى وصل اواخر السبعينات الى ٨٠٠ دولار للاونسة ، ومنذ قراري نيكسون يمكن وصف الولايات المتحدة بانها اكبر دولة متطفلة بالاكراه على البشرية عرفها التاريخ ،  بعد ان اصبحت تشفط من بحر ثروات العالم غير المحدودة كل ما تحتاج ووقتما تقرر بنفسها ودون اذن من اصحاب الثروة وان كانوا يتضورون من الجوع وهم يقرضونها ” قرضا حسنا !!!” لاعودة له كل ما تطلب ،  مكرها اخاك لابطل ) ، واصبح الدولار يقوم عالميا باداء وظائف النقد الرئيسة  : معيار قيمة ووسيلة ادخار و اكتناز واحتياط ووسيلة تبادل وتداول وتوزيع  ، وهذا اضافة لكونه عملة وطنية اميريكية يصدرها الاحتياطي الفدرالي الاميركي الذي يقوم بدور البنك المركزي الوطني _ العالمي ، ولكنه بخلاف جميع البنوك المركزية في العالم ، هو شركة خاصة والحكومة الاميريكية هي زبونه ومدينه الوحيد ، التي يصدر الدولار ويطبعه ويقرضه لها  ، وفق الطلب ، لتستخدمه كنقد اميريكي _ عالمي ، ولتتحكم بوساطته بالعالم ، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وحتى قيميا  .

٤ _  والسؤال الهام الاخر هو :كيف وبأية قوة يتاح  للدولار الاميركي القيام بهذه الوظائف على النطاقين الاميريكي والعالمي ، بعد ان انقلبت  الولايات المتحدة ، منذ اكثر من نصف قرن ، الا ما ندر من السنوات ، كسنوات رئاسة كلينتون (الذي ترك الرئاسة مع فائض في الميزانية الحكومية فقط)، من دولة فوائض الى دولة اكبر العجوزات ؟ ان القوة الشرائية للدولار لم تعد تعتمد على القيمة المتضمنة فيه ، ولا على رصيدها الذهبي ، كما ولا على احتياطياتها من انتاج وتصدير وفوائض وطنية ، او من نقود دول اخرى ذات  قيمة وقوة شرائية  ، وهذا ماتكرس منذ حرب فييتنام اواخر الستينات ، والولايات المتحدة تستر وتغطي عجوزاتها من امتصاص فوائض الدول والشركات والافراد الاخرين المتخذة اشكالا دولارية  او من توظيف دول اخرى لفوائضها كاستثمارات في الداخل الاميريكي مساهمة بذلك في تغطية عجوزات ميزان المدفوعات والميزانية الاميريكية ، وقد اصبحت الولايات المتحدة بذلك اكبر ” قرادة !” عرفها التاريخ العالمي ،  وان عجوزاتها ودينها العام يتصاعدان بشكل سريع في السنوات الاخيرة ، بل يصبحان ، بصفتهما تلك ، مصدر تقبل وطلب متصاعد على الدولار الاميركي كنقد عالمي ، بقدر ماتزداد الدول الفاشلة في العالم المتحولة من دول مكتفية ، بل ومصدرة وذات فوائض ، الى دول وشعوب تتجرجر على بطونها متسولة من ناهبيها النفايات والفتات . وتصلح الدويلات العربية ان تعرض كابلغ مثال على ذلك ! فحتى يوم كانت تتاهب للتحرر من الجيوش الاستعمارية كان لسورية ومصر ، مثلا ، فوائض وديون بل وقروض كبيرة على مستعمريها الامبراطوريين وهم في سبيلهم الى انهاء استعمارهم لها ، مكرهين امام نضال شعوبها . بينما ، وبعد عقود من الاستقلال ، وحتى مع تشكل فوائض لديها ولدى كبار ارباب القمع والنهب والفساد فيها، طبعا من وراء حرمان شعوبها وتنميتها من ضروراتها الاساس ، نراها ، مع شقيقاتها الاخريات ، تقف عارية امام العالم ، وقد دمرت كل ما لديها بايديها ، واصبحت خاوية على عروشها وخزاناتها فارغة وعملاتها لاتساوي قيمة الورق الذي تطبع عليه وشعوبها ، ماعدا ناهبيها وقامعيها ، تموت من المرض والبؤس والجوع ، وترفع ايديها ، مع ذلك ، ضارعة لمن يمدها ، بحجة اعادة اعمار مادمرته وهي تتفرج بحبور ، مثل نيرون ، على نيرانه وعلى زفرات اصحابه المنتهكة حقوقهم ، تصعد الى اذن الجوزاء ، هذا ومتسلطو الامر الواقع لا يستحون من بيع املاك دولتهم وشعبهم  متسولين لابسط الضروريات ، القابلة للنهب طبعا ، لاشباع من لم ولن يشبع ، مثل جهنم !!!

٥ _  ونعود الى الولايات المتحدة  ! لقد بلغ الدين العام الاميركي مايزيد عن ١٨ تريليون دولار ( التريليون يساوي الف مليار ) وذلك قبل اربع سنوات ،  مع بداية رئاسة دونالد ترامب ، وهو ما يعادل الناتج المحلي الاميريكي ، اي ان مصدر جزء كبير من رفاه الشعب وقوة الدولة في امريكا هو مديونيتها ، وهذا المبلغ هو ماتراكم طوال التاريخ الاميركي السابق لرئاسة ترامب  ، ليقفز هذا الدين العام ، وخلال سنوات حكم ترامب الاربع فقط ، بنسبة الثلث (!)_ الى ٢٤ تريليون دولار ، ويحصل هذا بالتوازي مع وفي ظل  شعار ترامب “لنجعل امريكا عظيمة مرة ثانية “! والذي قام ترامب ، بحجته ، بفرض الضرائب على المستوردات الاميركية من العالم الخارجي ، وبالاخص من الصين ،  وتراجعت امريكا في عهده عن نظام التجارة الحرة ، الذي عملت عليه الولايات المتحدة نفسها مع منظمة التجارة العالمية التي كانت اكبر مؤسسيها بعد الحرب ، لتنقلب الى الحرب التجارية ضد العالم والتي يصر المفكر ورجل الاعمال العربي المعروف د. طلال ابو غزالة في السنتين الاخيرتين على توقع تحولها الى حرب عالمية ساخنة او على الاقل بين الولايات المتحدة والصين كطريقة وحيدة ، براية ، لتسوية الصراع الاقتصادي بينهما على مركز الدولة القائدة للعالم في القرن الواحد والعشرين ( ولست ممن يشاركون الدكتور ابو غزالة بان الحرب الساخنة هي الوسيلة الوحيدة للجلوس على الطاولة والاتفاق على تقاسم قيادة العالم ، لان طبيعة النظام العالمي الان تفرض العمل بجميع الوسائل الاخرى لتقرير هذه المشكلة ، كبديل للحرب التي اصبحت مستحيلة على الكبار ومقتصرة حصرا على الجهال الحمقى، امثال المتنفذين”العرب”!

اذن ان عظمة ورفاه وبذخ اميريكا ، دولة وشعبا ، ومشروعات توسعية لاثمرة لها في الفضاء وسباق التسلح  وتكاليف هيمنتها على العالم الخارجي ، مع التقدم العلميالتكنولوجي والعسكرة المفرطة ، ان جزءا كبيرا من هذه التكاليف تدين الولايات المتحدة بها الى العالم كله ، وبالاخص افقر فقرائه ، وذلك بقوة ” قانون الشفط العالمي” (الشكل القسري والقهري المصطنع ل”قانون الاواني المستطرقة” ) ولا يغير من هذه الحقيقة التصريحات الفجة والمناقضة للحقيقة للرئيس الاميركي ترامب عن التكاليف الباهظة ( التريليونية ) التي تكلفتها الولايات المتحدة على حروبها الخارجية وبالاخص في الشرق الاوسط ، ( خدمة وحماية لهذه الانظمة والشعوب !!!) ، وهي ليست في جوهر الامر الا مقايضة ضيزى بين الدولار الورقي الذي لا تزيد قيمته على الدولة والاقتصاد والمواطن في الولايات المتحدة عن تكلفة الورق الذي يطبع عليه ( ٤٥ سنت لورقة المائة دولار ) ، ولكنه مع ذلك تستخدمه الولايات المتحدة في تغطية كل ما تتكلفه حروبها الخارجية  والحصول على كل السلع والخدمات التي تستوردها من الدول والشعوب الاخرى  كمقابل حقيقي( منتجات عمل جسدي وذهني وثروات طبيعية ) من سلع او خدمات تنتجها وتقدمها لها الدول والشعوب الاخرى مقابل دولاراتها الورقية ، فقط لان هذه الدولارات الورقية تلبي طلبا عالميا اضطراريا لها بصفتها نقدا عالميأ .وبكلمة ، يمكن القول ان المشفوطات الاميركية  من الاموال والثروات العربية بفعل الحروب والصراعات التي حلت بمنطقة” الشرق الاوسط وشمال افريقيا” (وفق تسمية الامم المتحدة ومنظماتها ) خلال ٤٠ عاما ، منذ  حرب الخليج الاولى بين العراق وايران وحتى الكوارث المخططة للربيع العربي ، المستحق والمشروع جدا في الاصل ، المستمرة في التصاعد في العديد من الدول العربية  منذ عشر سنوات ، والهادفة منع شعوبها من الظفر بما تتطلع اليه من العيش في ظل انظمة وطنية متحررة من الاستبداد والفساد قادرة على الارتقاء بها الى المشاركة الفعالة في انتاج والاستمتاع بثمار التقدم الحضاري البشري ، ان هذه المشفوطات لا تقل عن عشرة تريليونات دولار ، وتعادل هذه المشفوطات الاميريكية ضعف ما يدعي الرئيس الاميركي ترامب ، كذبا صراحا ، ان الولايات المتحدة تكلفته على المنطقة دون ان تجني منه اية مكاسب مقابلة  !!!

وساطرح هنا معلومة ربما تساعد في ايضاح الفرق بين نظرتي ونظرة الرئيس ترامب ،  الذي يعز عليه ان تنقضي رئاسته دون حرب عالمية ثالثة ، والذي ، في اليوم الاول لجلوسه في مكتبه البيضاوي ، قبل اربع سنوات ، دعتني محطة تلفزيون الشارقة الى مناقشة هذا الحدث على الهواء مباشرة ، وقد بداته بالحديث عن القرار رقم واحد الذي ظهر الرئيس ترامب على شاشات العالم وهو يعرض ، بعنجهيته المعروفة ،  توقيعه عليه ، وهو جالس وسط طاقمه العائلي والتشبيحي ( معظم من ظهروا بالصورة من الاعوان سرعان ما استقالوا او اقيلوا ) ، مكررا صورة حكام العالم المتخلف ، وكان نص القرار  ” المفخرة ” الذي دشن به عهده وشعاره ” لنجعل امريكا عظيمة مرة ثانية ” ، هو  منع دخول مواطني سبع دول ، ست منها اسلامية ، لاراضي الولايات المتحدة ، “الشريفة ” ، وقد شمل هذا الحظر مقيمين بصورة شرعية بموجب الكرت الاخضر واهلهم وبيوتهم  في امريكا ، وصدف وجودهم في الخارج حين توقيع الرئيس الجديد لقراره القراقوشي وهم في المطارات العالمية بانتظار الصعود الى طائراتهم ، او ربما كانوا في الاجواء ومنعوا عند وصولهم الاراضي الاميريكية من الدخول الى بيوتهم الشرعية ، وقلت : كنا نظن انفسنا مبتلين لوحدنا بحكام يتخذون اخطر القرارات على البشر بطريقة ارتجالية وبدون دراسة مسبقة وبخلاف راي اصحاب العلم والخبرة واذ بنا نعزي انفسنا اليوم بان رئيس اكبر دولة في العالم يتخذ قراراته بنفس الطريقة ، وبالتالي يجب ان نتوقع ان العالم سيعيش خلال سنوات حكمه الاربع مع اكثر التوقعات سوداوية . وهذا ما كان  ، مع فارق مهم ، وهو ان قاضيا امريكيا فردا في احدى الولايات الامريكية عطل على الفور تنفيذ القرار الرئاسي الاميركي بسبب مخالفته للدستور الاميركي ! وهذا ماكان لاحد في دويلاتنا ، حتى ولا للشعب كله الذي يبدأ قضاتنا بقراءة احكامهم الهميونية باسمه ، ان يوقفوا القرار الرئاسي ، بل حتى قرارات اخفض ممثلي السلطات الديكتاتورية القمعية ، ولو خالفت بكل صفاقة الدستور ، غير ساري المفعول عمليا  !

اما المعلومة التي تكفي لوحدها لقلب ادعاءات ترامب فهي السؤال عن الطريقة التي قام فيها المحتل الاميريكي للعراق عام ٢٠٠٣ بطبع كميات غير معروفة من الدينار العراقي الجديد خارج اي رقابة من اي سلطة كانت ، غير سلطة الاحتلال الاميريكي التي طبعتها ، وما زالت غير معروفة الكميات والاماكن التي تخزن فيها في انحاء العالم ، والتي تقوم المافيات العالمية بالبحث عنها وشرائها وتجميعها ، لعاية في نفس يعقوب ، مادام لها قيمة مستندة الى امكانية استخدامها لشراء الانتاج النفطي الجاري والاحتياطي المحفوظ في باطن الارض العراقية لاكبر مخزون من اي سلعة في السوق العالمية المعاصرة حتى الان !

ترى من يستطيع تقديم المعلومات الصحيحة عن هذه المسالة الخطيرة ، والى اي وقت ستستطيع الجهة التي طبعت الدينار العراقي الجديد ( دولة الاحتلال وشركاها )  ان تستخدم ما طبعته من تريليونات تريليونات الدينارات العراقية في شراء كل ماتحتاج من سلع وخدمات مجانا دون اية تكلفة من قبلها !

٦ _ فهل تعود الولايات المتحدة ” دولة عظمى مرة ثانية” ولكن بمضمون جديد نوعيا ، كاشد مايحتاجه مستقبل البشرية  ؟

بالنسبة للعالم ، وانطلاقا من الواقع الراهن ، نقول : هذا مستحيل في المستقبل المنظور وقبل ان يعود الدولار الاميركي مثل اي نقد وطني اخر ، عملة وطنية مع دور عالمي مواز لوزن الاقتصاد الاميركي في الاقتصاد العالمي ، مثل عملة اي بلد اخر ، وتعود الولايات المتحدة عن دورها الحالي كاكبر دولة طفيلية ” قرادة !” الى دولة طبيعية شربكة في الرفاه العالمي ، انتاجا واستهلاكا ! وهذا موضوع يحتاج الى الكثير من الابحاث والدراسات ، اضافة الى الترسانة الهائلة المتاحة منها حاليا  ، ولكن على اساس منطلقات جديدة وفكر جديد !

اما بالنسبة للشعب الاميركي ، فان اقل مايقال الان ان ترامب يخرج من البيت الابيض ، بخلاف توقع د . طلال ابو غزالة ،  غير المتهم ، بالتاكيد ، بانحيازه لترامب وللترامبية التعيسة الموؤودة ، وانما تاثرا بما تطفح به دراسات العديد من مراكز الابحاث الاميركية ، التي يعادل بعضها ، حجما ، نصف دولة صغيرة متقدمة (!!!) . واني لعلى قناعة بان الانقسام العمودي للمجتمع الاميركي الى ما يمكن وصفه باقلية واغلبية  ، قد تكرس واصبح واقعا ، دون تجاهل حجم وقوة ٧٤ مليون ناخب اميريكي وقفوا الى جانب ترامب( ولا يهمه ان يكون عدد من انتخبوا بديلهم يزيد عن ٨٠ مليونا !) وما يزالون مصرين ، معه ، على الاستعصاء بالبيت الابيض ، ولو تطلب ذلك اعلان حالة الطوارئ او اشعال الحرب الاهلية الاميريكية او تفجير حرب مع الصين يظنون انهم يمتلكون زمام تفصيلها وادارتها وابقائها في الحدود التي تناسب ترامب والترامبيين ، او القيام بانقلاب عسكري ( مما يتوجب توقعه بعد استقالة وزير الدفاع اسبر قبل اقالته لانه لم يوافق رئيسه على رفض نتائج الانتخابات ، ليلحقه قبل ثلاثة ايام بطرد ٣٠ مسؤولا في وزارة الدفاع والاتيان بمن يحل محلهم من شبيحة ترامب المؤمنين بوجوب قيامه بانقلاب عسكري والاستعصاء بالبيت الابيض ، هذا وهو ينتظر نتيجة تصويت الكونغرس الاميريكي في ٦/١/٢٠٢١ بالمصادقة على انتخاب غريمه رئيسا جديدا للولايات المتحدة !) ، وربما  ، على عكس القاعدة القائلة ان الشعوب المحتلة تتطبع بطباع محتليها ،  سيرى العالم قاعدة جديدة تقول : ان الغالب المحتل يتطبع بطباع من يحتلهم ، فنستطيع الادعاء ، ولو لمرة واحدة ومؤسفة ، بان العرب استطاعوا تصدير مبدأ الانقلاب العسكري والاستعصاء بالسلطة الى الولايات المتحدة كوسيلة للانقضاض على الديمقراطية ، رغم عدم تعليقنا اي امل خير على الديمقراطية الاميريكية ، بشكلها الحالي ،  وحتى على الفائزين فيها !

ان هذا الانقسام الاميريكي العمودي  مازال في بدايته ،  الا انه يظهر بهذا الوضوح للمرة الاولى بعد الحرب الاهلية الاميريكية  ، ويظهر يطريقة غير قابلة للردة بل محكومة بتعمق هذ التوجه والانتقال من دولة عظمى تسخر شعبها والعالم قاطبة ومقدراتهم لخدمة مصالح شركاتها الاحتكارية الاخطبوطية والتوسع في الانفاق على تكريس تفردها وهبمنها العالمية القهارة ،  التي فقدت حتى مؤيداتها الاقتصادية الكمية ، واصبحت معتمدة فقط ، لفرض هيمنها واداتها الدولارية ، على ميزانية لوزارة الحرب تعادل نصف الانفاق العسكري العالمي ( ٨٠٠ مليار دولار ) ، وتشكل مصدر قلق وحروب واستنزاف طاقات  وليست مصدر  رفاهية وسلام في العالم  ، وبين دولة طبيعية تعمل بروح الشراكة والتعاون والريادة لقيام عالم يوفر جهوده ومقدراته الهائلة للرفاه الانساني ، والاميريكي ، بالاساس ، هذه المقدرات التي باتت تعاني من الاقتراب من النضوب ، مما يحرم البشرية من التنمية المستدامة ويهددها بالافتقار الى المناخ والبيئة الصالحة للحياة ، وقد سحب ترامب الولايات المتحدة  من اتفاقية المناخ !  وكل هذا ليحرم البشرية  من الاستفادة من منجزات الثورة العلمية التكنولوجية الهائلة الراهنة والمقبلة ، اننا على علم بان  مايتطلبه بدء هذا التحول في الولايات المتحدة لم يتوفر ولو في ادنى درجة حتى الان ؟

ان امريكا في الوضع الراهن ، والدول التي تحرضها للسير لاتباع نهجها وتجرها الى سباقات الهيمنة والتسلح والحروب ، تمثل  الثقب الاسود الهائل  الذي يشفط ويهدر معظم  ثروات ومقدرات الكرة الارضية وثمرات عقول ونتاجات زنود شعوبها ،   بشراهة ولاعقلانية  هائلة ،  مستخدمة في عملية ابتلاع ثمرات جهود الشعوب الاخرى ،التي تعاني الاستنزاف والافقار المتزايد ، الدولار الورقي الاميركي ، ومستخدمة كذلك الحروب والمؤامرات ، والتمكين للمرتزقة وحكام الامر الواقع المحليين المعادين لحقوق شعوبهم ، ودون ان تنعكس حصيلة ذلك الشفط الهائل ايجابيا حتى على مستوى معيشة الشعب الاميريكي نفسه ،  الذي يعاني في اغلبيته ما يعانيه البشر في كثير من الدول ، بل ويعيش عند مستوى اقل بدرجات ملموسة مما هو ممكن له ، ومما هو  متاح لشعوب  العديد من الدول المتقدمة ، تلك التي تنهج ، على العكس ،  سياسات الاهتمام بمعيشة سكانها ومستقبلهم وتميل الى التشارك مع بقية العالم ، في السعي لبناء عالم يسوده التقدم والسلام .

ولقد كان لجائحة كورونا ” الفضل ” في الكشف عن حجم الانانية البالغ في عالم الاقوياء المعاصرين ، وبالاخص الولايات المتحدة الى درجة تنفير حتى شريكاتها الاوربيات ، اذ طغى قولها ” انا اولا ” وليكن من بعدي الطوفان  !

٧ _  ولكن ، وكما يقول الفكر التقدمي ، بدءا من فكر ابن خلدون ، الذي ينطلق من مسؤولية العوامل الداخلية ، ، اولا ، عن التخلف والعبودية ، والذي انطلق منه المفكر الجزائري مالك بن نبي في قوله : لايمكن للاستعمار ان يحصل لولا وجود شعوب قابلة للاستعمار ! وحتى فكر كارل ماركس الذي يعتمد التجريد العلمي للكشف عن اسباب كل شيء في البنية الداخلية للظاهرة ، وعن تطورها من خلال العلاقة الجدلية لتناقضية بين عناصرها ( قوى الانتاج وعلاقات الانتاج الاجتماعية ) .

كذلك نقول : لايمكن لعالم التقدم والسلام ان يقوم مادامت الشعوب قابلة  للتواطؤ مع مستبديها المحليين لاعانتهم على الامعان في اذلالها و شفط مقدراتها وثمرات عملهم ،  ليقايضوا ما شفطوه بالورق الاخضر الذي ما يلبثوا ان يودعوه مباشرة بعيدا عن عيون و ايدي شعوبهم ، هناك في الملاذات ،  غير الامنة باي شكل عند مصدريه ،  بدلا من ضخه في عروق الاقتصاد المحلي ، منبعه ومصدرة الاول ،  لاشباع حاجات الشعب ومتطلباته ، مغرقين شعوبهم ، من اجل النجاة ( باجسادهم النتنة وارواحهم النجسة) في مزيد من الاملاق والصراعات الفتاكة والتخلف والانحطاط والاندثار !

فأين تكمن ” المؤامرة ” ، ومن اين يجب ان يبدأ الاصلاح لرتق “الثقوب السوداء لثروات الشعوب ” ؟

  • Social Links:

Leave a Reply