حسام الدين درويش – الجمعية العلمية السورية للعلوم الاجتماعية:
4 – في الوطنية (والقومية)
وفقًا للبيان، لا يبدو سهلًا الاتسام بالوطنية، فهذه الوطنية تتطلب التحلي بكثير من السمات، وتبني كثير من الأفكار والقيم والمبادئ والأهداف؛ وبعضها، على الأقل، إشكاليّ وموضع خلاف (شديد). ومن هنا تنبثق ضرورة عدم المبالغة في إلحاق كثير من المسائل الإشكالية بالمسألة الوطنية. فعلى سبيل المثال، ليس ضروريًّا أن يتبنى الإنسان رؤيةً اقتصاديةً محددةً لكي يكون وطنيًّا. وكذلك الحال في مسائل كثيرة أخرى يتضمنها البيان. والربط بين الوطنية والمواطنة أمرٌ مهمّ معياريًّا، لكنه يترافق مع تحميل الوطنية ما لا طاقة لها به أو عليه. ومن شأن كثافة السمات الوصفية والحمولة المعيارية أن تقوم بإقصاء كثير من الوطنيات المخالفة لهذا التصور للوطنية. وفي حال تقديم الوطنية بهذه الكثافة الوصفية والحمولة المعيارية، ينبغي أن يترافق ذلك، بالضرورة، مع الإقرار بأن الوطنية وطنيات، من حيث المبدأ والواقع، وبدون تفاوت معياري ضروريّ. وهذا الإقرار الأخير يستلزم البحث عن القواسم المشتركة بين تلك الوطنيات، للوصول إلى تعريف الحد الأدنى للوطنية. ويمكن للتعريف التقليدي للوطنية أن يقدّم ذلك الحد الأدنى والمتمثل في الارتباط العاطفيّ ببلد/ وطن ما، والشعور بالانتماء الهوياتي الجزئي إليه، والاهتمام بخيره، مع استعداد، مبدئيّ، للقيام بتضحية ما من أجل هذا الخير.
ومن المهمّ جدًّا، عمومًا، وفي الحالة السورية خصوصًا، تخفيف السمات الوصفية، والحد من الحمولة المعيارية، الملحقة بمفهوم الوطنية. فمن ناحية أولى، ينبغي فهم وجود سوريين (كثر) لا يتبنون الوطنية، ولا يرون في سورية وطنًا لهم. ولا ينبغي المسارعة إلى الإدانة (الأيديولوجية) لهؤلاء السوريين. فالوطنية ليست، بالضرورة، أفضل، معياريًّا، من الخيارات الأخرى. وهي ليست مجرد تنظير لواقع قائم؛ إنما هي تنظير لما يجب أن يكون، بناءً على رؤية مصلحية، بالدرجة الأولى. فمن وجهة نظر كثيرين، وكاتب هذه السطور منهم، من مصلحة السوريين أن يحاولوا أن يجعلوا سورية وطنًا لكل السوريين. لا يبدو لي أن هذا هو الخيار الأفضل، فحسب، بل الخيار “الجيد” الوحيد. لكن من المفهوم جدًّا أن تثير فكرة “سورية الوطن” نفور أو سخرية أو لامبالاة سوريين كثر. فسورية التي يعرفونها كانت أبعد ما يكون عن أن تكون وطنًا؛ لقد كانت “سوريا الأسد” أو “سوريا البعث”، وسورية القمع والظلم والإفقار والمعاناة. الوطنية السورية لم تكن، في العقود الأخيرة، على الأقل، واقعًا معطى، ولا بديهيةً وصفيةً أو معياريةً، معرفيةً أو أخلاقيةً أو سياسيةً. الوطنية هي ما يمكن أن نصبو أو نسعى إليه، ونؤسسه، أو نؤسس له، أكثر بكثير من كونها ما ننطلق منه، ونؤسس عليه.
تبدو العلاقة المفهومية، الوصفية والمعيارية، بين “الوطنية” و”القومية”، علاقة تناقض أو اختلاف جذريّ، من وجهة نظر كثيرين، في “العالم الغربي المعاصر”. وظهر ذلك واضحًا في قول الرئيس الفرنسي ماكرون: “الوطنية هي نقيض الوطنية تحديدًا: القومية خيانة للوطنية”. أما الإعلان فلا يرى في الوطنية “نقيضًا أو بديلًا للانتماء القومي”. من المفهوم جدًّا أن تسود البيان محاولة استيعاب الاختلاف، في إطار جامع، بعيدًا عن عمليات الإقصاء قدر المستطاع. لكن استيعاب ما لا يمكن استيعابه، والتوفيق بين أطراف لا يمكن، نظريًّا و/ أو عمليًّا، التوفيق بينها، يكون أقرب إلى التلفيق منه إلى التوفيق، وأقرب إلى الموقف السياسي الرغبوي منه إلى الفهم المعرفي والضبط المفاهيمي والواقعية (السياسية). الوطنية التي يتحدث عنها الإعلان مختلفة عن القومية بالتأكيد، لكن ليس واضحًا كيف يمكنها أن تستوعب القومية التي تناقض الوطنية، وصفيًّا ومعياريًّا. فثمة شكوك كبيرة ومسوغة في إمكانية أن يكون الاتجاه القومي العروبي أو الكردوي، على سبيل المثال، جزءًا من أي وطنية سورية، مفترضة أو منشودة، بقدر كونه قوميًّا فعلًا.
قد لا يكون استخدام مفهوم “القومية”، في هذا الخصوص، مناسبًا، فالقومية ترتبط بمفهوم الأمة، والحديث عن العرب والأكراد، بوصفهما قوميتين، يحيل إلى هويتين جريحتين، لم تستطيعا التجسد في دولة – أمة. ولا يتعلق الأمر بالقوميات الإثنية، فحسب، بل يمكن أن يمتد إلى أي جماعة عضوية أخرى تتسم بسمات القومية: كالجماعات الدينية/ الإسلامية، على سبيل المثال. ومن الضروري التمييز، هنا، بين الإثنية والقومية، فالجماعة القومية تتأسس على إثنية أو انتماء عضويّ ما، لكن الجماعة الإثنية أو العضوية ليست جماعةً قوميةً، بالضرورة. وليس المقصود هنا نفي مشروعية وجود اتجاه قوميّ، لدى أفراد أي إثنية، لكن من الضروري بحث كيف يمكن للتوجهات القومية تحت الوطنية، أو فوق الوطنية، أن تكون وطنيةً أو جزءًا من وطنية ما مغايرة لتوجهها القومي. ويبدو أن اتساق التوجهات القومية مع الوطنية يتناسب طردًا مع تلاشي قومية تلك التوجهات.
التوفيق بين الفردانية والجماعاتية، في إطار وطنيةٍ ما، ليس مسألةً سهلةً بالتأكيد. ولا نرى أن الحل يكمن في إقصاء أحد الطرفين أو في توفيق مائع يعطي الطرفين أهميةً متساويةً. بل نرى ضرورة أن يتأسس هذا التوفيق على أولوية الأفراد وحرياتهم، قدر المستطاع، بدون إنكار الحقوق الجماعاتية، المتأسسة أصلًا، على الحقوق والحريات الفردية، كما أسلفنا. ولا ندعي أننا قدمنا حلًا كاملًا لتلك الإشكالية/ المشكلة، أو قدرتنا على تقديم هذا الحل الكامل. وفي كل الأحوال، لا ينبغي البحث عن هذا الحل، في إطار تفكير نظريّ مجرد، معزول عن الحوار الفكري والسياسي. فمعالجة الإشكالية النظرية المجردة لا تنفصل، أو لا ينبغي أن تنفصل، عن مواجهة المشكلة العملية والعينية في سياقاتها. ولا ينبغي بالتأكيد، ولا يمكن أصلًا، مواجهة هذه المشكلة مواجهةً فرديةً، بل لا بد أن تحصل تلك المواجهة، في إطار تفاعل بنَّاء مع “الآخرين”.

Social Links: