حوار: ماجد مرشد
“جمال العباس”: الانتماء يساعد في إدراك قيمة الموروث التاريخي وتوظيفهالفنّ يشكّل مستمسكات جمالية ودلالية لعصرهيعذبني طموحي الذي أشعر بأنه أكبر مني بكثير«الفن التجريدي، باعتقادي، أرقى وأبلغ التعبيرات التي تحاكي الوجدان بلغة الصمت الإيحائي. هو في حقيقته اختزال للمشاهدات البصرية،
والأصوات المسموعة بأبسط التغييرات التشكيلية المحدثة باللون، هو موسيقا تتضمّن كل معالم الرؤية التي تجعلك مدركاً لها ومتفهماً لقدرك وثقافتك.يخطئ من يظن أن التجريد عبثٌ يروق للكثيرين استخدامه، لإخفاء جوانب لا يتمتعون بها.. وإنما هو نتيجة تراكم وتجريب. ويكون عبثاً بالفعل إذا كان فنان التجريد لا يجيد الرسم الواقعي والتشريح، ولا يعرف سيكولوجيا الألوان وحركة التكوين وإيقاع عملية الاختزال واستقرار الشكل.
من يكتشف ذلك؟ بالتأكيد الناقد المثقف والمتخصص، صاحب قدرات معاينة الشكل واختراقه إلى العمق. وعندما يستخدم الفنان معالم تشكيلية مقروءة، أصولها واقعٌ مُشاهَدٌ، ولا يغلب عليها الاختزال المطلق، تخرج منها طاقات إيحائية كبيرة تأتي في مصلحة المتلقي الذي يقف أمام اللوحة بتركيز متأملاً وباحثاً.وربما شكّلت الحالة الراهنة والانفتاح على العالم، جواز سفر لكل الفنانين بدعوى حريّة التعبير، وأدى ذلك إلى حداثة أخذت بطريقها الفنان الحقيقي- الرسام والمشرّح المتفوق، والفنان الذي تعوزه هذه الصفات، ويخفي عيوبه بهذه الظاهرة…
ما جعل عملية النقد أمراً لا طائل منه أكثر الأحيان، بما يشبه الحالة الاقتصادية السائدة في الواقع المتقلّب، والمتمثلة بربح بعض الشركات الوافدة والمتعددة الجنسيات من خلال “السفر والتوظيف الوهمي”».هذا المدخل، لمعرفة التجريد الفني ونقده وتلاحمه مع الواقع، قدّمه الأستاذ “جمال العباس” الفنان والناقد الفني السوري، في حوار عبر الأثير الإلكتروني. حاولنا من خلاله استنطاق ما يستبطنه أي فنان، عن تجربته الفنية، ولا سيما إن كان ممن احتفلوا بيوبيلهم الذهبي، وانطلقوا لمرحلةٍ جديدة من النضج والعطاء.ويُعرف عن “العباس”، الذي ولد في الجنوب السوري، في مدينة “السويداء” عام 1941، مقدرته التربوية والتدريسية والنقدية، إلى جانب مقدرته على التعامل مع اللون والشكل الذي يختاره موضوعاً للوحته، بحرفيّة مكّنته من التجريد والاختزال بحرية وجرأة، وجعلته يخرج عن المفاهيم والمعتقدات السائدة في محيطه، كما منحت التكوين لديه حرارة الإيحاء الحسي، الجاذب للعين المتأملة والباحثة.«نحن بحاجة إلى ثقافة بصرية، تدخل كقيمة جمالية من أساسيات الجمال في الحياة، وإغراءات الترف الفكري والتواصل الحياتي فيها… فعلى الرسالة الفنية أن تنقل مفاهيم الثقافة البصرية إلى كافة شرائح المجتمع، عن طريق المحاورة والمعالجة العلمية بالفعل، ما يفتح مسارب الوصول إلى إدراك قيمة الجمال ومؤثراته على المجتمع والنمو الحضاري».مشروع فني:«منذ زمن طرحت مشروعاً تشكيلياً ألزمت نفسي به، أعمل على تحقيقه، يتعلق بدراسة أجريها حول صخور البازلت في منطقة “اللجاه”، الواقعة إلى الشمال الغربي من محافظة السويداء، بامتداد شمالي- جنوبي 60 كيلو متراً، وشرقي- غربي 71 كيلو متراً, وتقع في بدايتها الشرقية مدينة فيليب العربي “شهبا”، مستنهضاً في دراستي لها خبايا النفس البشرية، التي سكنتها أو جاورتها، واستمدت منها فلسفة البقاء والوجود.هذا المشروع مازال مستمراً
، حيث عملت على قراءة الصخور المتواجدة في منطقة “اللجاة” فنياً، لأنني أرى تلك الصخور سلسلة من الأمواج التي تروق لي دراستها والغوص في ذراتها ونسيجها وايماءاتها، وأعتبر نفسي قد تنبّهتُ مبكراً إلى وفرة البازلت التي تملكها المنطقة، والتي أعزو إليها صلابة سكانها وانتماءهم إليها.وقد كتبت العديد من المقالات حول قمية هذا البازلت الفنية والجمالية والعلمية، كما أنني دعوت منذ سنوات عديدة إلى إقامة ملتقيات نحتية، محلية وعربية وعالمية، للنحت مباشرة بهذه الخامة التي تعتبر أقسى خامة بعد الغرانيت، وقد تحققت دعوتي وأقيم ملتقى النحت الدولي الأول في “سيع”، تلته ملتقيات عدّة… ومازلت ألح على تكليف مجموعة من نحاتي المحافظة، المشهود لهم بجدارة العمل، لاختيار صخرة بازلتية بقياس كبير، ونحت شكلٍ فنيّ عليها، لتدخل “موسوعة غينس” العالمية، لعلّهم بذلك يقدمون مأثرة فنية خالدة».الموروث:«إذا وصلت الرؤية التشكيلية إلى جميع الناس، فذلك يعدّ من أهم العوامل التنهيضية في رقي وتقدم الشعوب. فلولا فن التصوير الزيتي والنحت والخزف لما عرفنا شيئاً عن حضارة “المصريين القدماء” برسومهم ومنحوتاتهم.. كذلك الحضارات الأخرى، عدا عن أن الصورة الفنية والمنحوتة والنقوش المحفورة، تشكّل مستمسكات جمالية ودلالية لعصرها، إلا أنها متسمة بالخلود الأزلي، الذي يجعلها منبراً معرفياً شديد الأهمية، تقف عنده الأجيال المتعاقبة، وتتعرف منه إلى طرق التفكير والإبداع والتقييم والإنجاز في الموروث التاريخي. إذاً المفردات التشكيلية المتداولة في “تراثنا الشرقي” مستندة إلى الفنون الجميلة، التي خلفتها الحضارات المتوافدة على بيئتنا المحلية.لكن رغم مرور قرابة قرنٍ على مزاولة الفن التشكيلي السوري، والنظر بعمق إلى تلك المستمسكات والتعرف إلى دلالتها وخصوصيتها… لم يخرج المتلقي من المراحل الأولى في تذوق العمل الفني، وفهم مقامه التعبيري، وهذا يوضح لنا سبباً بيناً من أسباب الأمية البصرية التي يعاني منها الحاضر اليوم، فالثقافة والانتماء يساعدان على إدراك قيمة الموروث التاريخي، والأهميّة الكبرى من معرفتنا به، التي تنقلنا إلى مراحل متقدمة في فهم رسالة الفن التشكيلي، واستيعاب مزاياه الحديثة، ومن ثمّ تذوق كل ما تقع عليه العين من مشاهد- مُصادفةً أم متابعةً- تحمل صبغة الجمال والهوية العربية».دور النقد:«الكتابة التشكيلية شيء، والنقد الجمالي شيء آخر، يجمعهما خيط رفيع، هَمُّهُ تقديم المحتوى الثمين في اللوحة للمتلقي.. أما الفرق الجوهري بينهما، فبيّنٌ: النقد يحتاج إلى إجادة لغتين أو أكثر، والتربع على أرشيف غني من الثقافة الفنيّة والعامة، والتمتع بقدرة اختراق الشكل في اللوحة، وتحليله وفق المذهب الذي ينتمي إليه، يضاف إلى ذلك قدرة المقاربة بين النتاج المحلي والعربي والعالمي، والرصد الدائم لكل معالم الحركة التشكيلية وحداثتها، والتفرغ الكلي للعمل… أما الكتابة التشكيلية فتعتبر مقاربة إلى حد ما من النقد الجمالي، الذي يطرح بعض المفاهيم الفنية، وفق ذائقة الكاتب، عن عمل فني ما، دون أن يتناول المذاهب والمدارس الفنية، ودون أن يبين الثغرات والأخطاء المرتكبة، إلى جانب الجوانب المتميزة والبارزة، فنياً».التأثير والتأثر:«رغم إحساسي بأنني لم أكن في يوم من الأيام بخيلاً على نفسي بنشاطها وحركتها وحيويتها، سواء في مجال تدريسي للفن، أو في الأنشطة والمعارض الخاص والمشتركة، إلا أنني أشعر بأن رسالتي ما زالت غير مكتملة، ويعذبني طموحي الذي أشعر بأنه أكبر مني بكثير. لكنني أحاول وأفكر وأبحث، عساني أصل يوماً ما إلى ما يطمئنني أن رسالتي الفنية كان فيها شيء يستفيد منه الآخرون، وتترك أثراً في الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي. إضافة إلى كتاباتي التشكيلية، حيث بدأتُ مبكراً، في اختيار العديد من الموضوعات والمحاضرات لتوسيع دائرة الذوق الفني، إضافة إلى سعيي منذ تخرجي، لتأسيس منتجعات فنية تخدم طالب الفن والمتذوق للجمال، وطالب الدراسة.تشغلني قضايا متعددة، أهمها التعامل مع لوحتي الجديدة، والبحث عن سبل مُثلى ترضيني وتحقق لي توازنات بدأت أفتقدها منذ فترة، وبالتحديد هي التعبير عن عالم الألوان، والوصول إلى قراءات بصرية أكثر دقة في تصوير المحيط الذي أنتمي إليه».تجربة وتقييم:الذي يميّز تجربة الفنان عن سواها من التجارب، طاقة الإبداع الممتلكة والمتولدة من خصوصية العمل، ومع الاستمرار تستقر هذه الطاقة في بحر من العوالم التصورية المتجددة والمتعددة الأوجه، وعندما يستجيب المبدع لنداءات عوالمه، تراه يغادر كل شيء حوله ليطلقها أخيراً على لوحته البيضاء، مستخدماً اللون والشكل والخط والتكوين، لكن التجربة تخلو من المعنى والقيمة الفينة إذا لم تشفع التصورات المجسدة بأحاسيس مرهفة ومشاهدات تراكمية مدركة ومحسوسة من الواقع، فالثقافة المتنوعة تمنح الناتج الفني مدلولاته ومعانيه، وتساعد في تثمينه وجعله مؤثراً أكثر.الفنان التشكيلي السوري الراحل “فاتح مدرس” كتب في مذكراته: «إذا أردت أن تفهم أعمال “العباس” وعمقها اللوني الأزلي، يجب أن تعيش في “الجنوب السوري” وتتعرف إليه، ففي لحظةٍ تبدو موضوعاته التجريدية معركة لونية رائعة، نسجت مع شكل الحياة في تلك المرتفعات الفريدة المعالم».وأضاف: «إنه فنان في تجواله الحيران بين الدفء والرقص والعاطفة، التي استمدها من أهله في الجنوب السوري.. إنه حر كهذا الخط المتلوي بين السماء وعشق الأرض، وبينهما الإنسان الذي هو رؤاه».وقال عنه الفنان التشكيلي السوري الراحل “غازي الخالدي” في مذكراته: «أحب في “جمال” إصراره وجرأته، في تجاوز كل المفاهيم التقليدية السائدة، التي تحيط به وتحاصره في كل زاوية يذهب إليها.. هذه الجرأة أوصلته إلى حالة لونية امتزج فيها الجانب “الحسّي والفكري والعاطفي”، بتقنية لا تخلوا من المغامرة والمبادرة».أما الفنان التشكيلي السوري”إلياس زيات” فقال: «”جمال العباس” مصور تجريد اللاشكل البارع، عرك اللون حتى أصبح تحت ريشته طبيعة ثانية، تحاور الشكل المرسوم، ثم تتجه معه نحو المشاهد، فتخبره عن حدث حصل فجأة، كلقاء غير منتظر أو صراخ طفل وليد أو دوي انفجار، رغم إشارات الشكل الدلاليّة، الموزعة في لوحاته هنا وهناك».ختاماً:تتحدّث أعمال “العباس” عن الإنسانَ الحضاريّ الذي يعمل ويساهم ويؤرخ، كحامل حقيقي للقيم الجمالية والنهضوية والحضارية.. بثّه في أعماله بواقعيته أو بتعبيريته أو برمزيته، أو حتى في التشكل اللوني المساحاتي، حيث يبرز سريعاً أحياناً، ويتوارى أحياناً أخرى تاركاً أنفاسه أو رموزه. أما المعادلة اللونية التي شغلته منذ البداية، فقد وجدها في العديد من المؤثّرات التي استوقفته وجعلته دائم البحث في صيرورتها: الشروق، الغروب، السجاد، البسط، صبغ الصوف، الصناعات اليدوية، البازلت وتكويناته، الفصول وتقلّباتها… يتشارك مع تلك المؤثّرات بألوان صريحة وحارّة، تتلامح في معظم أعماله.تعريف:”جمال العباس” فنان تشكيلي سوري، ولد في “السويداء” عام 1941. تخرج في كليّة الفنون الجميلة “بدمشق”عام 1969. عضو الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الجزائريين، واتحاد الفنانين بدولة “الإمارات العربية المتحدة”، والاتحاد العام للفنانين التشكيليين السوريين في “دمشق”. عمل كاتباً ومحاضراً في التشكيل منذ عام 1970، وهو رسام في فن “الموتيف الصحفي”، يعمل على لوحة التعبير التجريدي، وله العديد من المعارض الشخصية والمشتركة في “سورية” والعالم.

Social Links: