م .خالد نعمة
بداية أحب أن أشير إلى أنَّ كل تزامن بين ما سأورده الآن وإعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة بالأمس عن إنشائها مؤسسة مستقلة لمعرفة مصير المغيبين والمفقودين في سوريا هو مصادفة بحتة غير مقصودة، حتى لو حاول بعضكم أن يربط بين كلامي والحدث المذكور.تعود حكايتي إلى أوائل صيف عام ٢٠١٢، وقبل أن يحصل تفجير خلية الأزمة الشهير.كنا نجلس أنا ورفيقي الحمصي على شرفة الشقة الدمشقية في الأبنية المسبقة الصنع، التي أوته وعائلته، بعد أن جرى تهجيرهم من بيتهم وحارتهم في حمص، بينما جلست أمه مع النسوة في غرفة الصالون على ضوء الشموع.وكان الوقت مساءً، والكهرباء مقطوعة، ولا ينير الجوار المظلم إلا وهج انفجارات القنابل والصواريخ المنطلقة من أعلى الجبل بهمم حماة الديار، لتجد مستقرها في بيوت القابون وبرزة البلد وأحيائها بذريعة استئصال الإرهابيين، ولتحيل الأمكنة هناك إلى ركام وأطلال وأنقاض.على حين غرَّة، وبعد أحاديث تناولت أموراً كثيرة، سألني:- هل تعلم أنَّ لي شقيقاً جرى تغييبه منذ أكثر من ثلاثين عاما؟أصابتني الدهشة، وقلت له:- أنت تمزح.أجاب نافياً:- الأمر كما أحدثك، فأخي كان طالباً جامعياً يدرس في جامعة حلب، وقد جرى اعتقاله في العام ١٩٨٠ في ذروة الصراع بين النظام الحاكم والإخوان المسلمين آنذاك، وغابت أخباره عنا منذ ذلك الحين، وما عاد يبين له أثر.سألته باستغراب:- لكنكم عائلة شيوعية، فما علاقة أخيك بصدام السلطة بالإخونجيبن؟لم يكن لديه ما يمكنه تفسير سبب اعتقال أخيه، لكنه تابع إخباري قائلاً:- حاولنا كثيراً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي استجلاء مصير أخي، ولجأنا إلى حزبنا الحزب الشيوعي السوري، كي يساعدنا في الوصول إلى خبر عنه، لكنَّ الجهود الحزبية باءت بالفشل، وأصبنا بالقنوط، ولو أنَّ الوالدة ما فتئت تحمل في داخلها أملاً بأنـَّـه ما يزال حيـَّـاً، وأنـَّـه سيدقُّ بابها ذات يوم قبل أن تفارق الحياة.وسكت برهة، ثمَّ تابع:- أنت تعلم أنني عضو في لجنة المصالحة بمحافظة حمص، ولديَّ اجتماعات دورية في إطار هذه اللجنة مع (آصف شوكت)، لذلك استجمعت شجاعتي ذات اجتماع قبل فترة وجيزة، وطرحت عليه موضوع أخي المغيـَّـب، وتمنـَّـيت عليه أن يساعدني في كشف غموض اختفائه، وقد وعدني آصف أن يبذل جهده ليأتيني بخبر عنه.وبعد أن أخذ محدثي نفساً عميقاً، تابع كلامه وعيناه تدمعان:- في الأسبوع التالي، وبعد انتهاء الاجتماع، أخذني آصف جانباً، وأبلغني أنَّ أخي كان في سجن تدمر، وقد جرت تصفيته مع من صـُـفـِّـي هناك من المعتقلين على يد عناصر سرايا الدفاع في العام ١٩٨٠، وأبلغني أسفه، لأنـَّـه ينقل إليَّ هذا الخبر المحزن.وبعد فترة صمت لم يكن يعكـِّـرها إلا وقع الانفجارات ووهجها اللحظي، سألني:- بماذا تنصحني؟ ماذا أقول لأمي، التي تنتظر منذ اثنين وثلاثين عاماً عودة ابنها المغيـَّـب إليها؟أجبته بحزن من ليس بيده حيلة:- دعها تعيش البقية الباقية من حياتها على أمل عودته، حتى لو كان أملاً زائفاً كاذباً، ولا داعي لأن تحطـُّـم قلبها بخبر قتله في السجن السيء الصيت على أيدي جلاوزة السلطة الحاكمة.

Social Links: