فلا يضيع العدل

فلا يضيع العدل


(مادة تحليليّة)
مرزوق الحلبي

الحرب العالمية الثانية كالأولى انطلقت من الأرض الأوروبيّة. من منبع “الغرب” وثقافته. من صُلب الدولة الحديثة، ومن الحداثة نفسها كما تطوّرت إلى ذلك القرن المشؤوم. هناك بدأت الفظائع وانتشرت في بقاع عديدة من العالم. ومن هناك أيضًا، بدأت عملية كبح جماح “الدولة” بسلسلة من القيود المتمثّلة في قوانين دولية ومواثيق ومعاهدات لا يزال العمل على تطويرها مستمرّا. وكان آخرها ميثاق روما بخصوص المحكمة الجنائيّة الدوليّة الذي كان آخر تعديل عليه في تموز العام 2002.
بل أن الأمم المتّحدة كمؤسسات وميثاق اتخذت طابعًا آخر بعد الحرب العالمية الثاني لجِهة توكيد دورها في منع الحروب ونشر السلم وتطويق الأزمات والنزاعات قبل تحوّلها إلى حروب. كان من وراء هذا الجهد العالمي فكرة تثبيت السلم وتجنيب البشريّة ويلات وفظائع الحروب والإبادات كما شهدتها مناطق المواجهة.

لكن يبدو لي أن هذه المرحلة قد انتهت نهائيًا وأن الكوابح التي تمثّلت في المواثيق والمعاهدات وأنواح “المحاكم” لم تعد تعمل أو تحدّ من الفظائع والحروب ولم تعد قادرة على منع التوحّش. لأن الصوت الأقوى هو لما أسمّيه “صراع الأمم” المتجدّد حول الموارد الطبيعيّة مع اندفاع دواليب العولمة كما لم تندفع من قبل وبروز قوى دولية وإقليمية لم تعد تُخفي غاياتها ولا هي معنية بالقيود الدولية والمواثيق والمعاهدات.
نحن أمام عودة الحرب كلغة الدبلوماسيّة الأبرز في العقود الأخيرة.
صحيح أن هناك نزاعات إقليمية أو قضايا عالقة من مخلّفات المرحلة السابقة كمسألة فلسطين المضفورة بالمسألة اليهودية التي أنتجتها أوروبا ووصلت ذروتها في المحرقة، وصحيح أن هناك مسائل تتصل بالأنظمة والشعوب والصراع بين حكّام ومحكومين ـ سورية مثلًا، وصحيح أن هناك حقوقًا مهضومة لشعوب أو جماعات أو مناطق أو أقاليم في الأقطار هنا وهناك ـ كالمسألة الكردية مثلًا،
ومع هذا سنُحسن صُنعا لو نظرنا إلى كل هذه النزاعات ضمن نزاع الأمم الأوسع حول الموارد الطبيعيّة على مدار العالم وحول مواقع النفوذ وخطوط الملاحة. بل هناك ما يعتبر الحاصل في السنوات الأخيرة حربًا عالمية ثالثة بطُرق مغايرة عما شهدناه في القرن الفائت.
فهي حرب بالفعل لكنها تتمّ في مواقع محسوبة ومحدودة تتصارع من خلالها القوى العالمية على ظهور الشعوب وأوطانها ـ أوكرايينا واليمن مثلًا.

ولأن هذا هو الصراع الأكبر والأشمل والأكثر امتدادًا وقوة، فهو يبتلع النزاعات المناطقيّة أو يُذكيها، يخفّف منها أو يناور بها الأمر الذي يحرفها في معظم الحالات، عن غاياتها أو يشوّهها بالكامل أو يكرّسها ضمن هذا المشروع أو ذاك.

ما أريد أن ألفت النظر إليه هو هذه القوى التي يُمكنها أن تستغلّ القضايا العادلة للشعوب أو تلك النزاعات الإقليمية وتلهو بها بما ينسجم مع مشاريعها ومصالحها وهي ليست بالضرورة مشاريع الشعوب التي ظلمها عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن هنا أهمّية أن ننظر إلى ما يحدث هنا كجزء مما يحدث لأوكرايينا وسورية واليمن وليبيا والصومال ونيجيريا إلى آخر القائمة.

لا أقترح توسيع دائرة رؤيتنا للصراعات الكُبرى كي أضيّع “النزاعات الصغيرة” وحقوق الشعوب وأغيّبها، بل كي أعدّل القراءة من مرّة لمرة فلا يضيع العدل ولا يحلّ الغيب والأمنيات مكان العقل وحديث المصالح و”منطقها”.

  • Social Links:

Leave a Reply