الموت ولا المذلة

الموت ولا المذلة

فلورنس غزلان
قالت درعا ذات يوم “الموت ولا المذلة”

انا ابنتك يا اذرعات ،أنتسب لسلالة منك، عرفت معنى الرفض ، وتربيت على التمرد على قاموس القبائل، أنتمي لوادٍ يجري حين ينصب الغيث مدراراً ، وتجف ضروعه عندما تجحد السماء وتغضب السحب ..فتلجأ للعقاب بدلاً من الرحمة..لكنه في كل الفصول يظل متدفقاً في شراييني..يتحول الماء فيها لبكاء يصرخ في الربيع ويوقظ النيام أيام الحصاد..يجنح لعادة التضامن مع العشاق..فتكثر على أطرافه قصائد الحب ..علَ النفوس المتعبة تصاب بالأمل فتفرك التراب بنشيدها ليتحول ذهباً أصفر..وتبتعد عن اصطياد العصافير فوق أشجار التين في فصل الخريف..
أنا من هناك..من أرض نطقت الصرف والنحو قبل الولادة..كانت مسيح الكلمة وقانون العدل فوق ألواح حمورابي وعلى أقواس بصرى وأجراس معلولا، اليوم تستعيد اللغة نصيبها المفقود في ساحة (الكرامة)،على مرمى حجر منك يا أذرعاتي ، بعد أن لطخت وجهك أقلام تبيع الكلام والمواقف في أسواق العسف وبيوت التجارة السياسية،والسطحية الإسلاموية،.. لكني أقرأ الأمل في عيون الصبايا وأشعر أنك ستخلعين عنك ثوبك الممزق المهلهل على مر عقود ستة من الاغتصاب والسحل والقتل والتدمير،..وستستعيدين ثوبك السوري الجميل الذي تنسجه أياد شابة بخيوط أمل مكتمل النضج والرجولة…تستعيدين نورك وكرمتك المحتلة، وخمر أعنابها المعتق في أديرة الكهنة مذ عرف التاريخ طريقه لجبال وصخور..سافرت سفنها ، ونشرت أشرعتها وحنكتها وإبداعها عبر البحار ..في بلاد العرب والعجم.
أنا منكم وأنتم من دمي، أنا النصل وأنتم السيف المشحوذ ..المشهور بوجه الكذب والنفاق المتوغل عميقاً عبر ستين عاماً..يستيقظ من غمده ليقطع غابات الضيم ويبتر ولللأبد كل شجرة ونبتة متسلقة على جدار التاريخ ملقحة بثمار المحبة لا بالغث من البذور ….
اقطعوا بأرواحكم، التي تتطهر بالثورة الجديدة اليوم.. جينات العناكب وجينات الحشرات الضارة المرسلة إلى بريدكم اليومي لتُسَّوِد صفحات حياتكم وتنقلها من لغة المحبة ، لغة الوحدة في الحياة والمصير..إلى لغة الموت والخوف وكم الأفواه..لغة لم تعترضوا عليها طيلة أجيال..وهاكم تتحرر منها جلودكم وتُسقِطها أيدي أبناءكم عن كواهلكم ..وتمحو عن عيونكم غشاوة الرعب المختلط بلقمة العيش المغموسة بالذل والصمت ..
منكم خرجت جذوري وإليكم تمتد فروعي… لم تضل خطاي يوماً عن درب الحنين ولم تأخذني لشراك الكفر بكم وبقدرتكم ، لم أشك لحظة بقدرة ماء الحياة على التدفق في نهر شرايينكم الموصولة بإرث أضرحة قدستموها..وحفظتم اسمها من العبث ومن التزوير..نترك اليوم معاً إرث الكبوة ونجتث معاً سنين السبات وسطوة النوم والغفلة..نجذف ونجذف إلى أن نصل شاطيء السلام ودرب النجاة من شراك السواحل ذات القوارب عقربية المبنى والمنحى..حتى لو استخدمت لغة التآخي..فقد علمنا أولادنا …ألا نثق بمزوري اللغة ، ألا نثق بمن يرتدي ثوب الإخاء بينما يحمل سكيناً خلف ظهره وظهري..
أولادنا..هؤلاء الذين كبروا أكثر منا…ولدوا فجأة في غفلة ضياعنا..لم تأخذهم حيرتنا ولم يصدقوا أنباءنا عن وحوش تتربص بهم ..في زواياً الشوارع…تركوا النوافذ مشرعة .يعشقون الهواء..بينما تتخمر أرواحنا في الأسِّرة..ارتدوا أظافر ضباع وذئاب..اكتشفنا لحناجرهم أصواتاً غريبة على مسامعنا…أسسوا لأجسادهم دماً مختلف التركيبة والمكونات..وكأنهم ليسوا من أرحامنا ولا من صلبنا!!
حملت أقدامهم أشواكاً وابتكروا للفضاء نجوماً..لاتهوي إلا عند انبثاق فجر جديد..حلمنا به ولم تتضح لنا صورته ..لكنهم اختصروا اللغة برماح الحرية وقواميس هتاف نسينا مصادره وتصريفاته النحوية،إنهم (حمزة الخطيب ومعن العودات)…،إنهم الأوائل،فاستعيدوا صوتهم قبل فوات الأوان،لأستعيد،ثقتي بمنبتي، لأترك الريح تبتلع سلالات رباها الاسدين”الاب وابنه”
وأعلن براءتي منها..وأنتسب اليوم ،لمن يريد أن ينهض من رماد الكبوة، لكم أبنائي الجدد..ففيكم تتجدد روحي وأعود لشباب يحمل رائحة الحياة والكرامة
أصغي معكم لصوت كنا على موعد معه منذ طفولتنا..لكنه غادرنا حزيناً..وتركنا طرائد لمغول ورثونا حين أضعنا مفتاح أبواب أوصدنا بعضها بأيدينا..وتركنا الطاغية ممسكاً بالأقفال..معتقدين أنه سبيلنا للنجاة!.
أنضم إليكم .فلا تناقض في الوضوح..ولا تناقض في أن أعقد معكم حلفاً يعيد للغة فضاءها..وللمطر سحبه..يلغي الخوف من قلبي المرتجف ويحيي حنو الأمومة وصلابة الحياة بوجه الموت..
أنضم..وقد انتابتني لحظة اعتراف ..أني لم أعد وحيدة..فقد صار لي في كل درب أولاد..وفي كل شارع أحفاد..وفي كل زنزانة مقاتل..وفي كل مدرسة ,,تلاميذ..وفي كل ظهيرة يوم تظاهرة، حينها سأركع للمرة الأولى في حياتي لشمس طهرت روحي وطهرت الأرض بدم نقي كدم الأنبياء.. وعلى مرأى من الله..أتوضأ فوق صخرة عالية..على درب الجلجلة..لا أحمل صليبي..لكني أشعل قناديلاً لأرواح تحميكم جميعاً..من ارتكاب وتكرار الأخطاء التي هوت بنا نحو القاع. أسهر تحت شموع لقلوب أمهات مثلي ..يصطففن بصمت في وجه سلطان يقرأ طلاسيم وآيات مدججة بسكاكين الذبح..لن نأبه جميعنا للصمت أو التواطؤ العربي أمام ميل كفة الميزان..ورجاحة كفة الشيطان..فالحكمة فيما بينهم تخرج من فم بهيمية الايمان..لاتميز بين رائحة الأرض وعرق الفلاح ..في حقل أو بستان..كلهم..ساقطون في شرك..نصبوه لحواء من قبل.ثم للإغواء.ثم للجنازات في سرادق العرس..حين يجتمعوا على الذبيحة..والأسماء الجريحة وكتب الفضيحة..في حكوماتهم الكسيحة
حينها تفرح لغة الأطفال ..ويخرج الغزاة من البلدات المحاصرة..حينها يدخل قلبي مع قلوبكم..ونسكن الأرض الموعودة ونغني بصوت المنتصر الواثق…”الموت ولا المذلة”.

ــ

  • Social Links:

Leave a Reply