
فرحان قاسم
ان الجذر المعرفي الذي يكمن خلف رفقة وصداقة ماركس وانجلز ” الاسطورية ” كما سمتها الينور ابنة ماركس ، هو انهما ومنذ لقائهما في باريس عام 1844 قررا ان يضعا ” مفهوما جديدا ” يتقاطع مع المفهوم الايديولوجي للفلسفة الالمانية الكلاسيكية ويصفي الحسابات بشكل نهائي مع ” وعيهما الفلسفي السابق ” . فليس غريبا اذن ان تمتد العلاقة بينهما اربعة عقود كاملة ، وظل ” شبح ” ماركس بعد موته عام “1883 ” حاضرا ومؤثرا على انجلز الذي اعتبر رحيله ” خسارة فادحة للبروليتاريا المناضلة في اوروبا وامريكا وللعلم التاريخي ” . وان صرخة انجلز في مقدمة طبعة البيان الشيوعي لعام 1890 تعكس عمق المحبة الصادقة بينهما: ” الا ليت ماركس كان بجانبي ليرى بعينيه كل هذا ” وهو يقصد الخط البياني المتصاعد لدور الطبقة العاملة ونمو الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية في ذلك العهد
.

ان علاقتهما استندت الى اساسين متينين : الاول هو النظرية والافكار المشتركة التي طبعت حياتهما سواء بجهودهما المشتركة او الفردية والثاني هوانهما اثبتا ان الشيوعية سلوك وممارسة حياتية يومية و” كفاح مشترك ” لتحرير البروليتاريا من العبودية الراسمالية ” . فبالرغم من اصول انتماء انجلز الى عائلة برجوازية ، وماركس يحمل دكتوراه في الفلسفة وينتمي الى عائلة ميسورة المستوى وزوجته كانت من العوائل الارستقراطية فقد كان الجامع الابرز بينهما هو التواضع ، فها هو انجلز يقول ” لا أستطيع أن أنكر أنهُ قبل وأثناء تعاوني مع ماركس لمدة أربعين عاماً، كان لي نصيب مُستقل مُعيّن في إرساء أُسُس النظرية، وبشكل أكثر تحديداً في صياغتها. ولكن الجزء الأكبر من مبادئها الرئيسية الأساسية، خاصةً في مجال الإقتصاد والتاريخ، وفوق كل شيء، صيغتهما النهائية القوية، تخُصُ ماركس. ما ساهمتُ بهِ على أي حال، بإستثناء عملي في بعض المجالات الخاصة، كان من المُمكن أن يفعلهُ ماركس جيداً بدوني. إن ما أنجزهُ ماركس ما كان لي أن أحققهُ. لقد وقف ماركس في مكان أعلى، ورأى أبعد، وأخذ نظرة أوسع وأسرع منا جميعاً. كان ماركس عبقرياً؛ كُنا الآخرين موهُوبين في أحسن الأحوال. بدونهِ لن تكون النظرية على ما هي عليه اليوم. لذلك فهي تحمل إسمهِ بِحق. واكد ايضا ” كنت على الدوام العازف الثاني على الكمان بعد ماركس ” .
بينما كان ماركس مشغولا للغاية بمؤلفه « رأس المال » واصل انجلز العمل بجد في تطوير المادية الجدلية والتاريخية. وكتب انجلز: « لودفيج فيورباخ ونهاية الفلسفة الألمانية الكلاسيكية » و« الرد على دهرينغ » و« أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة ». كما قام انجلز بنفسه بالإشراف على إصدار الجزأين الثاني والثالث من ” راس المال ” بعد وفاة ماركس. وقد اسهم انجلس بقسط مهم في كتابات ماركس بعد عام 1853 كمراسل لصحيفة التريبيون فقد نشر بالاتفاق مع ماركس عددا من المقالات تحت اسم ماركس .

ومقابل الروح الشفافة لانجلز نجد ماركس يستخدم مِراراً وتَكراراً المُصطلحات ” ( نحنُ، لنا) عند الإشارة إلى علاقته السياسية والنظرية مع إنجلز” . وكتبت الينور ان ماركس اعتاد ان يتحدث مع رسائل انجلز وكأن انجلز شاخص امامه ” ويضحك احيانا حتى تنحدر الدموع على وجنتيه ” . وكتب لافارج صهر ماركس : ” ان ماركس يحترم انجلز باعتباره الرجل الاكثر علما في اوروبا ” .
في عام 1853 طلبت صحيفة التريبيون من ماركس ان يكتب مقالات عن الصراع التركي الروسي في البلقان وشرقي البحر المتوسط فلم يتردد ماركس من مراسلة انجلز قائلا : ” ان هذه المسالة في الاساس عسكرية وجغرافية . لهذا فهي خارج دائرة تخصصي . عليك انت ان تقوم بالامر مرة اخرى . ومصير الامبراطورية التركية هو امر ليست لي به دراية ، لهذا لا استطيع ان اكون نظرة شاملة ” . وقد ذيل انجلس تلك المقالات تحت اسم ماركس.
كتب انجلز « مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي » (1844) وهو كتاب اعتبره ماركس مساهمة عظيمة في نقد المقولات الاقتصادية، و« ظروف الطبقة العاملة في انجلترا » (1845). وقد عرض انجلز في هذين الكتابين للمستقبل العظيم الذي ينتظر الطبقة العاملة، والمهمة التاريخية التي ستحققها. وكان أول من بيّن أن البروليتاريا ليست طبقة تعاني فحسب ، وإنما هي أيضا طبقة تناضل من أجل انعتاقها. كما كتبا معا في 1844–1846 كتاب « العائلة المقدسة » و« الايديولوجيا الألمانية » وهدف هذين الكتابين ابراز نظرة تقدمية جديدة للآراء الفلسفية السائدة آنذاك .

كان عمل ماركس كمراسل رئيس في اوروبا لصحيفة نيويورك تريبيون الصادرة في نيويورك احد اهم مصادر دخله في بريطانيا ، واستمر عمل ماركس في التريبيون من عام 1851 الى عام 1863. اما مصدر دخله الثاني فكان الدعم المالي الذي يقدمه انجلز له.
Social Links: