د. حبيب حداد
منذ سنوات، وكما هو معروف للعالم كله، أضحت بلادنا ضحية معركة تدمير الذات المتواصلة، وذلك بعد أن تم حرف انتفاضتها الشعبية السلمية عن مسارها، وبعد أن تم اغتيال أهدافها في الحرية والكرامة والمساواة والديمقراطية. ونتيجة لهذا الوضع الكارثي، وبعد أن تم تغييب صوت الشعب السوري ومصادرة ارادته الحرة، برزت وسادت في لغة وخطاب الأطراف والمجموعات المتصارعة فوق الجغرافية السورية ظاهرة احتراف تزييف وتشويه الشعارات المعبرة عن تطلعات واهداف شعبنا وإفراغها من مضامينها وفي تضاد مع دلالاتها الحقيقية. ولعل في هذه الظاهرة المعبرة في احد وجوهها عن مدى تفاقم واستفحال آبعاد الأزمة المصيرية التي يعيشها شعبنا ، ما يوضح بجلاء طبيعة و أخطار الدور الإعلامي الممنهج الذي تمارسه مختلف وسائل اعلام النظام ، وتلك التي تمتلكها الدول الإقليمية والتي وضعت في خدمة المجموعات المسلحة وتشكيلات المعارضة الخارجية ، في خططها الرامية لتدمير الوعي العام في مجتمعاتنا ونشر مناخ الاحباط واليأس والتهجير .
شعارات واهداف ومهام كثيرة ما تنفك تطرح في كل يوم طوال السنوات الماضية سواء من قبل نظام الاستبداد الشمولي أو من قبل تشكيلات المعارضات الخارجية والمجموعات المسلحة المتقاتلة في الداخل وهي لم تكن بأي حال من الأحوال الا تغطية لممارسات تلك الأطراف، المناقضة لهذه الأهداف والشعارات، على أرض الواقع . فأين ممارساتها وما هي حقيقة مواقفها من جوهر العملية الديمقراطية، وهل خدمت تلك الممارسات العملية واقعياً مسألة التمهيد للانتقال نحو بناء الدولة الديمقراطية الحديثة ؟؟؟ وكيف كان موقفها من مفهوم الأكثرية والأقلية في مجتمعنا، وإلى أي مدى سبب ذلك في طعن وتمزيق الوحدة الوطنية ؟ وكيف كانت مصداقية تلك الأطراف جميعها عندما كانت تعلن أن قناعتها المتأخرة قد استقرت على ان اُسلوب الحل السياسي لا العسكري هو السبيل الأجدى والآمن لتحقيق مطالب الانتفاضة السورية في الإصلاح الجدي والتغيير الديمقراطي، في الوقت نفسه الذي انتهجت فيه عمليا طريق الحرب العبثية المدمرة ورأت أن ما يُؤْمِن لها الغلبة هو تغيير ميزان القوى علي الارض ،فلكأن هذه القوى الغاشمة هي المعبر الحقيقي عن إرادة الشعب السوري وعن تصميمه على تقرير مصيره بنفسه .؟ أما عن مفهوم الشرعية اي شرعية تمثيل الشعب السوري سواء من قبل النظام الحاكم او من قبل تشكيلات المعارضة المصنعة في الخارج ، في ظروف هذه المِحنة المصيرية ،فقد بلغت حالة اللامعقول فيها مبلغا لم تعرفه اي من تجارب العالم الثالث التي انتقلت إلى الحياة الديمقراطية السليمة خلال العقود الأخيرة ، وذلك عندما أصر كل من هذه الأطراف على الادعاء أنه الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري .
لكن أخطر تلك الشعارات والادعاءات ما كان منها يتعلق بمفهوم السيادة الوطنية ومن يمثلها ويحميها . وليس الامر هنا بحاجة للاستدلال على تشخيص حال هذه السيادة بالعودة الى أسس الفقه الدستوري لاستعراض وضع الدولة السورية بمكوناتها الثلاثة أي الشعب، والأرض ـ الجغرافية، والنظام . فالواقع المأساوي الذي يخيم على بلدنا الْيَوْمَ يقدم لنا الجواب الموضوعي عن أية سيادة تتمتع بها سورية ويرضى ويطمئن اليها شعبها الصامد الصابر الذي يواجه كل هذه التحديات المصيرية . ان بلادنا الْيَوْمَ ساحة مفتوحة ومشرعة لصراع مخططات وأجندات ومصالح الدول والأطراف الخارجية فعن أية سيادة وطنية يمكن التحدث عنها اذا كانت ارض بلادنا وحدودها وسماؤها ومياهها مستباحة لكل قوى الهيمنة والتدمير والعدوان ؟؟؟ ومن أوصل بلادنا الى هذه الحال التي هي عليها الآن من تفكك وضعف وهوان ؟ أليس نظام القهر والطغيان والفساد الذي جثم على صدر شعبنا منذ أربعة عقود ونصف هو السبب الأول في هذا المأزق الوجودي الذي يهدد مجتمعنا ؟؟؟ ثم أليس الدور التدميري الشامل لكل مقومات دولتنا ومجتمعنا ولكل قيمنا وتراثنا الحضاري ،وتبديد إمكانات تقدمها ومواكبتنا لمسار العصر هو الدور الذي تقوم به كل المجموعات الإرهابية المسلحة على الارض السورية التي لا علاقة لها بمشروعنا الوطني الديمقراطي ولا بأي من القيم الكونية المشتركة التي تشكل مرجعية الضمير الإنساني في عالم الْيَوْمَ ؟؟؟.
لا يمكن ، كما علمتنا دروس التاريخ القريب والبعيد، اعتبار اي نظام لا يحظى بثقة شعبه مخولا أو مؤهلا للدفاع عن السيادة الوطنية لبلده وصيانة استقلاله وحماية أمنه الاجتماعي . فالأنظمة الفاشية والفردية المستبدة التي تضع على رآس مهامها بقاءها في السلطة ، وإعادة انتاج نفسها إلى أطول أمد ممكن، لا تستطيع الدفاع عن سيادة واستقلال وسلامة أراضي دولها . فالنظام السوري الحالي لم يقم منذ عقود بأي رد فعل في مواجهة انتهاكات العدو الصهيوني المتكررة للسيادة الوطنية بل كان موقفه المتكرر والدائم بعد كل عدوان آنه يحتفظ بحق الرد في الزمان المناسب وفي الوقت المناسب وبالآسلوب المناسب؟؟؟ والأدهى والامر من ذلك في توالي فصول مسلسل الضياع والبؤس والتردي الذي تعيشه بلادنا، إن المعارضات السياسية الخارجية السورية وكذلك المجموعات المسلحة الإرهابية المتحاربة فوق التراب السوري ، تنظر إلى مواقف النظام تلك والى تدخلات الأطراف الدولية والمجموعات الطائفية المتحالفة معه أنها كانت نتيجة عدم مساعدة الدول التي اعتبرتها صديقة للشعب السوري لها واحجامها عن التدخل العسكري المباشر لاسقاط النظام وتقديم السلطة لها على طبق من فضة . أي أن هذه المعارضات لم تشعر هنا بأي حرج و لم تأخذ هنا بأي اعتبار يتعلق بالسيادة الوطنية ولا باستقلال بلدها ووحدته ومستقبله المتوقع في مثل هذه التراجيديا التي سيكون أول ضحاياها مصير وطننا . نعم بدون وطن حر وشعب حر ونظام ديمقراطي يجسد إرادة هذا الشعب لا يمكن تأمين السيادة الوطنية في أي مجال من مجالات المجتمع . وحتى لو توفرت لبلد ما القدرات والامكانات الهامة في مرحلة ما ، فإذا لم يكن يتوفر له نظام حكم ديمقراطي شعبي رشيد وكان يخضع لنظام حكم فردي ديكتاتوري فإن فائض القوة هذا سيدفع مثل هذا النظام الفردي في غياب المؤسسات المسؤولة إلى ارتكاب أخطر المغامرات المتهورة التي تجلب الدمار والويلات للبلد الذي يحكمه وما تجربة العراق في عهد صدام حسين ببعيدة عنا !!!
إن قيم ومبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان ـ المواطن والعدالة والمساواة والحفاظ على استقلال وسيادة كل بلد من بلداننا العربية لا يمكن تأمينها إلا في دولة ديمقراطية حديثة . هذا في نطاق كل قطر أما على صعيد الخطوات الهادفة إلى تكامل إمكانات البلدان العربية في إطار موحد مثل السوق العربية المشتركة أو معاهدة الدفاع المشترك أو احياء واستعادة مقومات الأمن الإقليمي العربي فلا يمكن، كما أثبتت كل القرارات الفوقية التي اتخذتها الأنظمة العربية في قممها المتتالية، والتي ذهبت كلها أدراج الرياح أو بقيت حبيسة في أدراج الجامعة العربية، والتي لم تلتزم بتنفيذها معظم تلك الدول بحجة أن تلك القرارات بالنسبة لبعضها كانت متعارضة مع سيادتها الوطنية، لا يمكن تحقيق أيا منها إلا في ظل أنظمة عربية ديمقراطية تمثل إرادة شعوبها في إنجاز كل الخطوات التي تعزز مصالحها المشتركة، وتدعم فعلها، ومواقفها في عالم الْيَوْمَ، عالم التكتلات الكبرى، ورهانات القوة الحقيقية في ميادين الاقتصاد والتكنولوجيا ووسائل المعرفة .
تلك كانت وجهة نظرنا وبإيجاز حول مفهوم السيادة الوطنية التي رأينا فيها احدى المقومات والمهمات الاساسية للدولة الديمقراطية الحديثة، ورأينا فيها من جهة ثانية احدى الإشكاليات النظرية التي تستخدم لشل القدرة العقلانية في الفكر السياسي العربي المعاصر .

Social Links: