مها غزال
منذ بداية الثورة السورية دأب نظام الأسد على اعتقال وتغييب الناشطين السياسيين والمدنيين الذين يملكون مشروعا وطنياً، وعمل على اخراج المعتقلين السابقين ممن يؤمنون بالفكر الجهادي، والحلول العسكرية من المعتقلات، ليخترق الثورة السلمية المدنية، ويجرها إلى ملعبه في الصراع المسلح.
وخلال سنوات الثوة الست، رفض الأسد بطرق مباشرة وغير مباشرة، الجلوس على طاولة حوار مع المعارضة السياسية، إلا أنه أعلن مؤخرا أن وفد نظامه سيفاوض حوالي 91 فصيلا عسكريا في الأستانة، في حين تعمل حليفته روسيا على تحييد المعارضة السياسية.
وعبر الممارسات التي انتهجها نظام الأسد ضد السوريين الثائرين، سعى لتغييب أي مشروع سياسي، وحارب كل من يؤمن بشعارات الثورة الأولى، حيث قتل واعتقل بعضهم وهجر الأخرين، وأكملت روسيا تنفيذ ما تبقى من الخطة بخلق شرخ بين السوريين في الداخل والخارج، عبر التقليل من أهمية المعارضة السياسية، التي اتخذت من دول اللجوء مكاناً لتنظم عملها، وهذا بسبب عدم مقدرتها على البقاء في الداخل الذي انقسم إلى قسمين، أحدهما تحت سيطرة الأسد وهو مكان يستحيل منه المطالبة بأي تغيير حقيقي، وأخر تحت جحيم الحرب والقصف ويعاني من انقطاع الكهرباء والانترنت، ويفصل المعارضة عن العالم.
خرج معظم السياسيين والصحفيين في بادء الأمر من سوريا بحثا عن منابر ووسائل تواصل مع العالم الخارجي لايصال صوت أهلهم بالداخل، وما لبث أن تحول خروجهم إلى منفى بعد سيطرة التنظيمات المتشددة على المدن والبلدات “المحررة” بسطوة السلاح، وساعدت تلك التنظيمات على توسيع الفجوة بين الداخل والخارج، ونفذت ولو بطرق عير مباشرة بقية المخطط الروسي.
بدورها لعبت الانقسامات الحادة داخل التيارات والتشكيلات السياسية دورا مهما في تهميش العمل السياسي، وكانت هذه الانقسامات بفعل عدة عوامل أبرزها الصراع بين الأجيال، وحملات تشويه السمعة التي حيدت العديد من الخبرات عن العمل السياسي، والتدخل الدولي العميق لدى قوى وتشكيلات المعارضة السياسية، وهاجس البحث عن الشرعية ولعل السبب الأخير كان الضربة القاسمة للعمل السياسي.
واتجهت المؤسسات السياسية المعارضة نحو اقامة علاقات مرتبكة مع الفصائل المقاتلة على الأرض، وذلك بعد أن تحولت المناطق “المحررة” إلى ثكنات عسكرية بفعل الحرب، وتدخل العسكر في الشؤون المدنية والخدماتية بما فيها الطبابة والتعليم، وهذا تحت ضغط حاجة المؤسسات المدنية والخدمية لحماية الفصائل العسكرية من أجل استمرار عملهم والحصول على احتياجاتهم الضرورية، خاصة في ظل سيطرة الفصائل العسكرية على المعابر الحدودية.
عقدة الداخل والخارج، والتي تكرست مع مرور الوقت، وارتفاع الأثمان التي يدفعها السوريون في داخل دفاعا عن الثورة السورية، دفعت الهيئات السياسية وحتى الأحزاب المحدثة إلى اقامة علاقات غير متوازنة مع الفصائل، وبدل من أن يصبح السلاح في خدمة المشروع السياسي، بات المشروع السياسي رهينة احتياجات السلاح، وتحولت معظم لقاءات السياسيين المعارضين مع دول “أصدقاء الشعب السوري” إلى استجداء وطلب مستمر لتزويد هذه الفصائل بالسلاح، بالرغم من عدم اظهار الفصائل أي بوادر حسن نية بأنهم خاضعين للمشروع الوطني وللقيادة السياسية.
وبطبيعة الحال استفادت موسكو من عقدة النقص التي تكرست لدى المعارضة السياسية، والتي نمى معها شعور الاستعلاء لدى الفصائل العسكرية، لتستغل مفاوضات اجلاء المدنيين في حلب وتقلب الطاولة على المعارضة السياسية وتضع العسكرين مكانهم.
وضع اتفاق وقف اطلاق النار فصائل المعارضة في موقع المقدم على التشكيلات السياسية، حيث تم تكليفهم بتشكيل الوفد المفاوض للاستانة، وهو ما يقلب النظرية السياسية، القائلة بأن السياسة تقود العسكر وليس العكس، وبدأت موسكو بالترويج إلى أنها تجلس مع الأطراف القادرة على احداث فعل حقيقي على الأرض، وأن الهيئات السياسية ليس لها أي تأثير داخل سوريا.
بجلوس الفصائل العسكرية اليوم على طاولة الحوار تضمن روسيا، غياب المشروع السياسي الوطني المتكامل، وحضور المشاريع المتفرقة مثل محاربة الارهاب ووقف اطلاق النار الذي تحول من وسيلة لوقف القتل، إلى أداة سياسية تشغل بها المعارضة ريثما تتم السيطرة على محيط دمشق وريفها.
ومع توسع دائرة التحالفات الروسية التركية، تتضاعف الفائدة الروسية من جلوس الفصائل على طاولة المفاوضات، بسبب حاجة الفصائل للدعم العسكري واللوجستي التركي، حيث تشكل تركيا المنفذ الوحيد الذي تتنفس منه الفصائل، وبالتالي يصبح موقفها متجانسا مع الموقف التركي وخاضعا لقاعدة المصالح التركية الروسية، أكثر من التزامه بالرؤية التي يتضمنها المشروع الوطني السوري، مما يمنح الروس أبواباً متعددة للمناورة.
لا تخضع المعارضة السياسية للضغط الأخير، بالرغم من علاقاتها الجيدة مع الأتراك الذين يحملون مشروعا يتوافق مع المشروع الثورة السورية في أكثر من مجال، إلا أن قدرة المعارضة السياسية على المناورة أوسع، كون عملها ليس مقيدا ببعد جغرافي، وهو يجعل منها أكثر ليونة ومقدرة على التمسك بالمشروع الوطني، مستفيدة من علاقاتها مع مختلف الدول “الصديقة للشعب السوري” وبالتالي لا تلتزم في محور دون الأخر.
ويبقى ملف الإرهاب هو الأكثر حضوراً في سياق الضغط على فصائل المعارضة، فقد وضعت التطورات الميدانية غالبية القادة في أماكن شك بضلوعهم في قضايا الارهاب، خاصة في ظل التغيرات التي طرأت على أغلب الفصائل والتحالفات الميدانية والعسكرية التي ابرمتها مع تنظيمات ارهابية، وقضايا بيع السلاح لتلك التنظيمات، كما لم تحظى أي من تلك الفصائل بأي اعتراف مباشر من روسيا بأنها تنمي للفصائل المعتدلة، ولم تحدد موسكو ضوابط لتصنيف الفصائل، ومازلت تعتبر كل من حمل السلاح ضد نظام الأسد ارهابي بالرغم من جلوسها معهم على طاولة الحوار.
كل هذه الأسباب أنتجت في المرحلة الأولى، اتفاقا سيئا قد يورط الثورة السورية في الانزلاق أكثر نحو المشروع الروسي، الذي لن يقبل بأي تغيير سياسي حقيقي في سوريا، وهو ما قد يتفاقم اذا استمرت الفصائل بتعنتها بأن تقود طاولة المفاوضات، بحجة مناقشة تفاصيل عسكرية لن تتأخر قبل أن تتحول إلى مشاريع سياسية، تقضي على كل الانجازات السياسية لثورة السوريين، والقرارات الدولية التي انتزعت من فك الروس بما فيها بيان جنيف والقرار 2245.

Social Links: