ياندوم ياندوم
التجربة النازية وخليلتها الفاشية
تعاني منطقة الشرق الأوسط من الاستبداد المزمن الذي تمتد جذوره عبر تاريخها القديم والحديث بحكم هيمنة قوى منتجة وعلاقات انتاج ما زالت (رهينة المحبسين) كالتي تعيش حالة خدر ما قبل عصر النهضة والثورة الصناعية التي تتفاوت درجة تطورها، البطيء أصلا، بحسب شروط واقعها الجغرافي على امتداد المغرب العربي وشمال افريقيا ومنطقة شبه الجزية العربية ثم المشرق العربي.
وفي مرحلة التحرر من الكولونياليه ومع بداية القرن العشرين ظهرت حركات عقائدية سياسية تحنطت افكارها وحفظت دروسها ذات القوالب والأطر الثابتة في أحضان النازية الألمانية والفاشية الايطالية… وكانت مهمتها قطع الطريق امام نهوض تلك المجتمعات الناشئة ومنعها من ان تتوفر لديها شروط تمكنها من بناء الدولة الديمقراطية ووضع أسس دستورية لتلك الكيانات الجديدة، فتبنت لهذا الغرض أيديولوجيا قومية او دينية لتدمير إمكانية تأسيس كيانات وطنية مدنية دستورية من أجل النهوض بتلك المجتمعات في إطار الدولة الديمقراطية المدنية لكونها الحل التاريخي والاطار الوحيد لوضع اسس الدولة الوطنية. ان تدخل المشروع الايديولوجي القومي او الديني كان وسيبقى في مواجهة مباشرة وتعارض مزمن مع المرحلة الوطنية لكون مثل هذا التوجه يتخطى ويتجاوز حدود وإطار الدولة الوطنية الواحدة لا بل اعتبر هذا المشروع التوسعي ان الإصرار والتمسك بالحدود الوطنية هو بمثابة خيانة لمبدأ الأمة والقومية المقدسين ولا يزال الحزب القومي السوري يتابع هذه المهمة بعد فشل حزب البعث في كل من سوريا والعراق وبعد ان قاد البلدين كل من صدام حسين وآل الأسد نحو الخراب والدمار
1- تجديد الفاشية
خلال فترة حكم هتلر التي دامت 12 عاماً، شيّد في بلاد ماركس وغوته وشيلر النموذج الأمثل للفاشية … ورغم مرور عقود طويلة على سقوط (دولة الرايخ الثالث) فان الحياة فيها تستعاد وتصوّر من خلال كثرة وشدة القمع الذي مورس فيها.. ولذلك بقيت كلمة (الفاشية) مقرونة بالقمع…
حقاً ان القمع هو الوجه الأبرز للفاشية، ولكنه لا يقاس فقط بالكم.. ففي ظل الفاشية تحول القمع الى (علم) كامل واستند على ارث فلسفي يبدأ من بحوث (لوبون) عبر طروحات (نيتشه) وانتهاء بالفيلسوف الرسمي لدولة الرايخ الثالث (الفرد روزنبرغ) لقد تداخل القمع والديماغوجيا في حكم هتلر الى الحد الذي يصعب فيه إيجاد الخط الافتراضي الفاصل بينهما ومعرفة اين يبدأ القمع وأين تنتهي الأيديولوجيا الناتجة والمنتجة عنه..، وتحت شعار (السوط وقطعة الحلوى)، لم يعد التخويف فقط هدف القمع، انما أصبح أداة لتنويم وتخدير الجميع، وتجميع الوعي النقدي، وجزءاً اساسياً في عملية صياغة نازية (سيكولوجيا الجماهير).
لقد ارادت الفاشية ختم كل سيء بالصليب المعقوف. ومن الحياد الشكلي لأجهزة الدولة الرأسمالية، ولدت النزعة التدخلية التي تريد ان تكتنه كل جوانب الحياة وطبعها بطابع فاشي… من الاقتصاد، الى الأفكار، الى علاقة جنسية بين رجل وامرأة … وقد بلغت الهيمنة الروحية والسياسية للنازية الألمانية حداً بدا فيه انهيارها مستحيلاً، حتى بعد ان أخذت طائرات الحلفاء تدك معاقل هتلر نفسها….
كثير من الألمان الذين عاشوا تلك الفترة يتذكرونها كما يتذكرون كابوساً لا يعرفون بداياته وحدوده، ويشعرون بالضيق عند محاولة تذكيرهم بتلك الأيام. لقد ولدت أجيال المانية كاملة تنظر لذلك التاريخ بدهشة: هل يعقل ان آبائهم كانوا بتلك الصورة، وكيف صدقوا ذلك البهلوان ذا الشارب القصير، وكيف أقنعهم كتاب طنان مثل (كفاحي)!؟
هل انتهت، اذن، الفاشية وقبرت مع انتهاء دولة الرايخ؟
التاريخ الذي أعقب سقوط الفاشية أثبت انها ما تزال مدرسة ومثالاً للاقتداء.. ورغم اعدام (موسوليني) على ايدي مواطني بلاده وانتحار هتلر المهزوم في الحرب مع عشيقته وحواريه، ما تزال الفاشية كامنة في احشاء النظام الرأسمالي… نزعة التسلح الشامل وإشاعة أجواء ما قبل الحرب، وتثبيت مجالات حيوية. وفي الداخل كانت المكارثية خطوة في هذا الاتجاه، فخلال فترة قصيرة جداً تركزت القيادة بيد السلطة التنفيذية البعيدة عن متناول الجميع، إلا نخبة ضيقة من ملوك رأس المال.
ثمة فوارق عديدة بين الفاشيات الجديدة والفاشية الأم.. ولا يتعلق الأمر بالكفاءة فقط، انما بأشكال ظهور هذه الفاشيات والبناء التحتي اذي تستند عليه… وحذر (ديمتروف) من اعتبار الفاشية مطابقة دائماً لنسختها الأشد رجعية، ونعني بهذا النموذج الألماني. وقد أثبتت تجارب الردة في أمريكا اللاتينية إمكانية قيام أنظمة فاشية في بلدان لا يوجد او لم يتكامل فيها أساس اقتصادي شبيه بإيطاليا الفاشية وألمانيا النازية.. وهنا يفعل العامل السياسي (قطع الطريق على حركة شعبية آتية) دوره أكثر من العامل الاقتصادي… فالسلطة الانقلابية نفسها تأتي وبقرار مسبق لإقامة سلطة فاشية قوية (تقضي على الفوضى وتنقذ البلاد) وتسير بالبلاد على هدى أيديولوجية قومية او دينية، فتقوم بحلّ البرلمان وتلغي الحكم المحلي وحرية الصحافة والأحزاب المشاغبة وعلى كل مظهر ليبرالي، وتفرض نظام طوارئ لا عمر له، مهتدية خطوة إثر خطوة بتجربة الفاشية الأم.
وتظهر هذه الفاشيات حيثما وجدت برجوازيات محلية شديدة الارتباط بالاحتكار العالمي، والشركات متعددة الجنسيات، وحيثما وجدت مقاومة جماهيرية للتبعية الاقتصادية. وتأتي في وقت تعجز فيه البرجوازية التقليدية التي تبدو فيها أجهزة الدولة مقيدة بعقلانية زائفة وحياد شكلي، وتتقدم الثورة المضادة هنا على قعقعة الجزمات وصليل الحديد، تكاد ان تعلن عن قدومها بصوت محذر وعالٍ: “الفاشية”. وحتى دون ان تعلن برنامجاً اقتصادياً أو مهمة محددة فإنها تعمل منذ البداية على فرض النظام البرجوازي المرتبط بالاحتكارات على الجماهير التي ترفضه من خلال الية حكم فاشي. وتتبع جدول الاولويات التي اتبعته الفاشية الام بإعلان الحرب أولا على الشيوعيين والنقابات.
وقد تجابه محاولات السلطة الفاشية لإيجاد إطار وقاعدة اقتصادية بمقاومة حتى من بعض اجنحة البرجوازية المحلية التي تخاف راديكالية القمع. ولكن هذا التناقض الثانوي يذوب بسيطرة جناح من البرجوازية المحلية، هو بالتحديد رأس المال المالي. ويقوم هذا الجزء بربط البرجوازية المحلية بالرأسمال العالمي محققاً تبعية اقتصادية كاملة في بلاد متوسطة التطور تتعايش فيها أنماط إنتاجية مختلفة. ويصبح هذا العنصر الوطني من الرأسمال أداة داخلية للاستغلال الامبريالي، ويصبح الاستغلال الامبريالي عبره عاملاً داخلياً.. وهكذا تتكون الرأسمالية التابعة التي تشكل أساس الفاشية التابعة. ويكون الجنرالات هنا الأداة التنفيذية بيد الرأسماليين الداخليين والخارجيين، هذا إذا لم يكونوا هم أنفسهم وكلاء فعليين للرأسمال الخارجي “(سوموزا) لم يكن جنرالاً مغامرا فقط، انما كان من أبرز وكلاء الرأسمال العالمي”، وتصبح السلطة الفاشية مكرسة تماماً للحفاظ على نظام رأسمالي تابع. ولكن السلطة لم تكتف بذراعها القمعي، انما تريد الحصول على دور سياسي متزايد، بحيث يتحول الجيش الى ما يشبه الحزب السياسي ومركز رقابة على الحياة الفكرية. لا يكتفي الجنرالات فقط بدور حكام المحافظات، انما يتحولون الى عمداء جامعات وقادة نقابات ورؤساء تحرير صحف ومدراء مستشفيات، ويمارسون القمع السياسي بأنفسهم تاركين للبوليس التقليدي مهمة مطاردة النشالين والبغايا. انهم يعملون على عسكرة الدولة وتسييس الجيش وتحويله الى حزب وجهاز قمع في وقت واحد.
ان شكلاً خاصاً من الفاشية التابعة يتكون في البلدان التي يعتمد اقتصادها على النفط. فالتدويل الذي دمج اقتصاد البلد بالاقتصاد الرأسمالي عبر الشركات الرأسمالية يحقق نفس التبعية الاقتصادية. ولقد اثبتت الوقائع التي تلت ثورة مصدق في إيران. كما ثبت الانقلاب الفاشي في العراق عام 1963 الى أي حد كانت شركات النفط عنصراً داخلياً في حياة البلاد السياسية. وباستمرار كانت تعتمد وتخلق ركائز في شكل أحزاب وطوائف ورموز سياسية ومراكز قوى داخل الجيش وفي قمة السلطة، وحتى في الأنشطة الترفيهية والثقافية. لقد كان ها دور مؤثر في أي منعطف سياسي يمر به البلد.
وفي كتابه (بين عصرين) 1970 بين (زبيغنيو بريجينسكي) المثل الاجتماعي الجديد لمعاداة الشيوعية في بلاد كهذه، في شكل سلطة بلا حدود لحفنة من ذوي الاستحقاقات يستند الى توليفة شاذة من منجزات العلم والتكنولوجيا وظلامية القرون الوسطى وتمتلك قدرة عالية على التلاعب بوعي وسلوك الجماهير.
وتعتمد الدولة النفطية على عائدات النفط الضخمة لتجميع قاعدة واسعة من البرجوازية الصغيرة التي تنمو وتتناسل بلا حدود. ومن عائدات النفط تكون جهازاً ادارياً ضخماً يعتد عليها في مصالحه ويتم لها مركزة الأمور ومرونة التحرك والقدرة على التحكم بكل شؤون الحياة، من أكثرها شمولاً الى أصغرها شأناً…لقد بلغ (سافاك) الشاه ثلاثة ملايين متعاون وتحول الى حزب لكي يوالف بين ممارسة القمع وتصدير الأيديولوجيا. وكان مقدراً لكل إيراني ان يصبح عضواً ان يصبح عضواً في هذا الحزب بمجرد ولادته، وقد ترافق ذلك مع مساعي الشاه للتحول الى نوع من الامبريالية الفرعية التابعة، لقد استوعب صدام حسين تجربة الشاه مع (السافاك) ولكنه لم يكن بحاجة لأن يبدأ من الصفر… ثمة ارث قديم لحزبه، حزب البعث، يتصل مباشرة بالنازية الألمانية. لقد تركت المقولات الطنانة الموجودة في كتاب (كفاحي) لهتلر او اطروحات (نيتشه) عن (إرادة القوة) بصمات واضحة على ادبيات (عفلق) لسنوات طويلة.
لكن عناصر الصلة لا تكمن في الأدبيات المكتوبة وحدها لأن آلية القمع والأيديولوجيا التي رافقته وبناء حزب البعث في العراق وسوريا سارت خطوة خطوة على هدى التجربة الهتلرية.. وتحتاج عناصر الصلة هذه الى دراسة مستقلة.
ثمة عودة كثيفة الى الفاشية… حقاً ان عناصر الاختلاف لا تقل عن عناصر الشبه بين الفاشيات الجديدة، وخاصة الفاشيات التابعة، والفاشية الأم. ولكن عناصر الاختلاف تعكس بصمات العصر بعد مرور الفترة الطويلة منذ سقوط الفاشية الهتلرية، كما تعكس تنوع الأطر الاقتصادية في العالم وتنوع أنماط الإنتاج داخل بلد واحد في طور انتقالي. ولكن هدف الفاشيات الجديدة والقديمة يبقى هو نفسه تقريباً.. قطع الطريق على ثورة شعبية.
2 – على حافة الفاشية
الساحر والجمهور
بعد زحف (موسوليني) على روما عام 1922 وقبل صعود هتلر الى السلطة عام 1933 كتب (توماس مان) قصته التحذيرية (ماريو والساحر) … في هذه القصة تلعب النازية القادمة دور منوم مغناطيسي، ينوّم كل من في القاعة بواسطة إشارات مكررة وجمل تهويميه. ولكن (سيداً من روما) ينهض بوجهه:” ما كان باستطاعتك ان تنومهم لولا انهم أرادوا ذلك” وتقوم القصة على الصراع بين الشعوذة اللاعقلانية والوعي الإنساني الذي يرفض الرضوخ لسيطرة الساحر. في نهاية القصة يتعب الفتى المتنور من عناده الذاتي فيسلم للسحر الذي غيب الجماعة.
في الحياة ارادت النازية ان تفعل ما فعله الساحر: تحاول تنويم مجنديها الجدد الذين ينقصهم التجانس بصوفية غامضة يشارك فيها الجميع وتمهد القاعة لدخول الساحر (ادولف هتلر) الذي كان قبل سنوات رساماً فاشلاً يقضي وقته “وحيداً في غرفته يراقب صراع الفئران على كسرات الخبز او يتمرن على الخطابة امام المرآة”
يتساءل (لوكاش) في كتابه (تحطيم العقل): كيف تبنى جمهور ألماني بهذه الكثرة تلك الأسطورة الصبيانية التي نشرها (هتلر) و(روزنبرغ)؟ كيف تقبل الألماني المتنور مفهوم “الإرادة الأسطورية ” عند (شوبنهاور)، ونبوءات (زرادشت) والاساطير التاريخية في كتاب (شبنغلر) (سقوط الغرب)؟! ان تصديق ذلكن يبدو ل (لوكاش)، أصعب من قبول العامل الشاب القليل الثقافة المرمي في الشارع عاطلاً عن العمل خارج الأحزاب، ان (هتلر) سيحقق له الاشتراكية الألمانية!
ليست قوة شخصية (هتلر) ولا حيوية (موسوليني) وراء رضوخ الالمان والايطاليين لسيطرة الساحر. ثمة عمق تاريخي وأرض راهنة تجل السحر اشد حضوراً وكثافة من الواقع. فقد خرجت إيطاليا من الحرب الاولى مع مجموعة الدول المنتصرة. لكن حصتها من غنائم النصر كانت مزرية. بينما خرجت المانيا من حرب (فيلهلم الثاني) باتفاقية (فرساي) المهينة غارقة في ديونها. الفاشية والنازية معاً لعبتا على وتر الهزيمة… لم توجها نار اللوم على النظام انما على الجماهير نفسها… فالجماهير غير المسيسة تحملت ثقل الهزيمة بنوع من التشفي بالنفس، لان الطبقة العاملة المنقسمة لم تقدم انقاذاً وطنياً جذرياً. والفاشية الهبت هذا الجرح بإلقاء تبعات الهزيمة على الجماهير التي فقدت صلابتها الخلقية واستعدادها للتضحية، وكرست لدى الشعب إحساسا بالدونية وضعف الثقة وانتظار قائد مخلّص قوي. في كتابه (ما قبل الهزيمة) يصف الكاتب (روبرت بارزيلاخ) مشاعر الألمان قبل الصعود النازي: “في هذه السنوات كنا نبحث في داخلنا عن سبب الهزيمة. ونبحث حولنا عن شكل للتحقق القومي، وفي كل مكان ترتفع الصرخة: ايتها الامة استيقظي! ولكن ما من أحد يريد ان يستيقظ. كنا نترقب ظهور بطل او نبيْ يشبه (اتاتورك) يعيد للامة هيبتها البروسية”.
ولذلك تركزت وعود هتلر وموسوليني على اعادة الهيبة الى الوطن المهان. موسوليني وعد بانتزاع حقوق إيطاليا المغتصبة، وعد بإلغاء اتفاقية فرساي. وفي فترات الأزمات والتغييرات السريعة، كتلك التي شهدتها إيطاليا وألمانيا قبل الصعود الفاشي، يبدو للناس ان التيقن من أي شيء امر صعب. وان التغييرات تجرف الناس قبل ودون ان يعوها. وعندما تتأخر قوى التغيير عن تقديم إجابات عملية شافية، تتخلى الجماهير عن ارادتها الذاتية وعن أي جواب ينبع من وعيها وارادتها، انما تنتظر خلاصاً يأتي من خارجها. من رجل او نبيّ يأتي من فوق، يفكر ويقود نيابة عنها. وتحت وطأة اليأس تميل الى تصديق شخص ديماغوجي نرسيسي يبدو لها واثقاً من حقائقه الخاصة مثل هتلر او موسوليني.
المثقفون عرفوا تحولاً من نوع آخر قادهم الى اللاعقلانية الفاشية: اليأس وقد تحول الى ظاهرة اجتماعية وارتبط بسرعة التصديق والسير مع الموجة العاتية. ولكن هذه التحولات لم تكن مباغتة او مقطوعة. هناك أساس تاريخي سابق… اقامت النازية أسس (الرايخ الثالث) على هدى الإرث الذي قدمته الدولة البروسية، فتلك الدولة القاحلة عوضت عن انعدام الإنتاج بإقامة نظام سادة وعبيد بدون مدن ولا طبقة وسطى. رصيد هذه الدولة المصطنعة جيش منضبط وقاسي وحياة منضبطة اسبارطية يمسكها (آل هوهنزولرن) بقبضة من حديد. وصفها (ميرابو) مرة: “ليست بروسيا دولة تملك جيشاً، انما جيش يملك دولة”. وحدة هذه الدولة تقوم على قوة الحاكم المطلق وطاعة الأتباع. من ارث هذه الدولة ولد بسمارك واحفاده غليوم الثاني وهتلر. وبالاستناد الى ارث هذه الدولة جرت التربية التاريخية للألمان على الخضوع للسلطة، هذه التربية اضعفت حس الاستقلال والتضامن الاجتماعي. فقد تم ترويض الألماني غير المسيّس، مهما بلغت ثقافته ومهارته، على انتظار من فوق، أي من الرؤساء الموصوفين في الجيش والسياسة والعلم… هم الذين يقررون نيابة عنه، حتى في الامور المتعلقة بوجوده الذاتي. وقد قامت هذه التربية على زعزعة ثقة الألماني المتوسط بأهمية مواقفه الخاصة، ووجد هذا المواطن نفسه مفككاً تائهاً بعد انهيار نظام (آل هوهنزولرن) ولكنه بقي ينتظر رؤسائه ينقذونه من هوة اليأس الشامل.
وقد بلغت هذه الأزمة الروحية أوجها مع الأزمة الوطنية والاقتصادية في العشرينيات، في تلك الفترة الملتهبة ما بعد الهزيمة. فقد نشرت نصوص المعاهدة المذلّة وبدأت التمردات تنخر الجيش المهزوم. وزاد الطين بلّة احتلال الفرنسيين لحوض (الروهر). وفي هذا الجو بدأت ديون المانيا تتراكم حتى بلغت بين عامي 1930-1924 سبعة مليارات دولار، وانخفض سعر المارك بوتائر كبيرة، ففي عام 1921 وصلت قيمة الدولار 75 ماركاً.
في العام الثاني أصبح الدولار يساوي اربعمائة مارك، ولم يحلّ عام 1923 حتى أصبح الدولار يعادل سبعة آلاف مارك! في خريف عام 1923 طلبت المانيا من الحلفاء تأجيل دفع أقساط ديونها، لكن حكومة (بوا نكاريه) الفرنسية رفضت الطلب وقامت باحتلال (الروهر)… وهكذا اقتطع من المانيا قلبها الصناعي. وقد عجلت هذه العملية بانهيار المارك حتى بلغت قيمة الدولار في الأول من آب 1923 أربعة بلايين مارك، ولم يعد المارك الا ورقة تساوي الصفر تماما، وتحطم كلياً الايمان بإمكانية البناء الاقتصادي. لقد تحملت جمهورية (فإيمار) كل أعباء الأزمة، وبدأ رصيد الحزب النازي يرتفع في هذه الأجواء.. كانت اجتماعاته تعقد في جو من وجود سبعة ملايين عاطل عن العمل، أي ان واحداً من كل ثلاثة المان كان يتسكع في الشارع جاهزاً للمشاركة في أي حشد جماهيري والاستماع الى خطيب مفوه، ولو بدافع الفضول.
وقد وجهت النازية الألمانية شعاراتها ووعودها للبرجوازية الصغيرة المفقرة التي فقدت كل ما ادّخرته في الأزمة الطاحنة، والى الجمهور المفكك الذي ملأ الشارع الألماني.. الى الجيش النظامي والى الجنود المسرحين الذين عادوا من الحرب مهزومين وبقوا في الشارع بدون عمل، غير قادرين على التكيف مع حياة سويّة، ميالين للعنف والمغامرة، وللشبان الضائعين المنقطعي الجذور وللعمال الرثين الذين اثقلتهم الأزمة.
في إيطاليا كانت العصائب المسلحة التي ولد منها الحزب الفاشي مكونة من نفس الشرائح تقريباً، يحددها (كريستوفر هيبرت) في كتابه (موسوليني-سيرة سياسية):”من رجال شاركوا في الحروب السابقة، من صبيان يتوقون لأن يقوى عودهم لكي يحاربوا، ومن المخضرمين الذين يلتهبون بالحماسة القومية، ومن أشقياء سحرهم الشاعر الفوضوي (دانونزيو) …فلاحون يتوقون لانتزاع الأرض من مالكيها، جنود ساخطون يتلهفون للقصاص ممن لم يشاركوا في الحرب.. عمال خذلهم الشيوعيون الذين لم يوفروا لهم إمكانيات الهجوم والدفاع وجماعات كاثوليكية مستفزة ضد الشيوعيين”.
الفاشية والنازية معاً نظرتا للعمال كجمهور مستحيل في البداية. هتلر كان يائساً من “فساد” أخلاق العمال النمساويين. وفي كتابه (كفاحي) يتحدث عنهم باحتقار متعال: “أفسدتهم الماركسية والنقابات والمطالب الضيقة”.
وفي أوج الصعود النازي كانت هناك ثلاث نقابات عمالية (الاتحاد العام للعمال الالمان، يضم خمسة ملايين عضو، والاتحاد العام للعمال المستقلين ويضم أكثر من أربعة ملايين عامل، والاتحاد المسيحي يضم مليون وربع المليون عامل. وهؤلاء يشكلون 25 ٪ من عمال المانيا. وقد عارضت هذه الاتحادات او على الأقل رفضت تأييد برنامج هتلر، لأن العمال الالمان يدركون، بالتجربة، الثمن الفادح الذي سيدفعونه للحرب والعسكرة الشاملة.
لكن قوة الطبقة العاملة بقيت مشتتة في مواجهة الخطر النازي، فقد بقيت الطبقة العاملة حائرة مجزأة بين قيادتين: الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي. وكان الاتجاه الإصلاحي يقدم (العقل بمعنى الخضوع) يحذر العمال من الاضراب والتظاهر ومن القيام باي رد فعل عنيف ضد الاستفزاز النازي. وفي مواجهة النازية جرى ايهام العمال بإمكانية تحقيق الاشتراكية بطرق ناعمة. وبهذا الموقف الهروبي أتيح للنازية ان تقدم نفسها، حتى للذين لم يرحبوا بها، كقدر لا فرار منه. البرجوازية الألمانية الصغيرة التي فقدت الأمل بإمكانيات البرجوازية المتنورة في اعادة العهد السابق عبر مثال جمهورية (فإيمار)، وخيبها اليسار الذي تردد امام مهمة التجديد الديمقراطي الاشتراكي، سلّمت لهتلر ولحزبه (الاشتراكي القومي)، وانساقت مع العنف الذي لا فرار منه فتحولت على يد هتلر الى أداة قمع ضد الطبقة العاملة وأحزاب اليسار. وهنا تدخل أصحاب العقارات والصناعيون وتجار الحروب كعنصر منظم لهذا الهجوم الشامل وتمهيد الطريق لدخول الساحر الممسك بالسوط والطعم الايديولوجي.

Social Links: