نوار نورة البحرة
كل المؤشرات التي تبدو واقعية وعقلانيّة، ربما توجِب الظن بأن سوريا مقبلة بعزم، إلى مستقبل من اثنين:
- حرب أهلية
أو ربما – أفغانستان جديدة!
لكنني أدَّعي رأياً آملاً ثالثاً، ربما لم يتوقعه كثر:
- أن تنجح سوريا في نيل حريتها، وتعود إلى بناء مستقبلها، رغم كل التوقعات الخائبة، التي تبدو كما لو كانت الأشد منطقية!!!!
مايدفعني إلى تنبؤي هذا، هو مشاهداتي الواقعية:
- فقد عملت لمدة خمسة سنوات متصلة، في مدينة ألمانية صغيرة، واقعة في منطقة براندنبورغ المتاخمة لمدينة برلين، في تمكين المرأة اللاجئة، في المركز الوحيد الموكَّل بشؤون المرأة، في تلك المدينة، وكمسؤولة عن أنشطة النساء في المركز، وكمستشارة عن المرأة السورية، في بلدية مدينتي، إلى أن احتاجتني أمي الراحلة، للعناية بها في مرضها، فاضطررت للانتقال إلى برلين.
كنت وابنتي: أول لاجئتين سوريتين، في تلك المدينة، التي لم يزد عدد سكانها ذلك الحين، عن مايقارب التسعين ألف نسمة، بعد أن فقدت مركزها الصناعيّ إثر سقوط الجدار، فتراجع عدد سكانها، الذي كان أكثر من مئتين وثلاثين ألف نسمة، إبان عزِّها السابق في ألمانيا الشرقية!
سرعان ما بدأ اللاجئون السوريون، بالتوافد إلى المدينة، وبلغوا حتى نهاية عام ٢٠٢٠، مايقارب الثلاثة آلاف لاجئ، أقل من ثلثهم نساء!
كان معظم اللاجئين الذين تم فرزهم الى تلك المدينة، قد أتوا من الأرياف المحيطة بالمدن السورية، سكان المناطق المخالفة المهمشين، أصحاب الحظ الأسوأ بين اللاجئين السوريين، الذين استهدفهم النظام السوري الساقط، واستهدف بيوتهم وحقوقهم واقتصادهم، باعتبار مناطقهم كانت محاور التوسع المعماري الوحيدة المتاحة، خارج المدن السورية الرئيسية، التي تضاءلت فرص الاستثمارات العقارية فيها حتى انعدمت، في كل من دمشق وحلب وحمص وحماه!
فكانوا فرائس مشايخ الدعوة السلفية، التي استخدمها النظام السياسي السوري، للسيطرة عليها!
وضحايا استخدام الدين السياسي، لتجهيل النساء، وتسييد النماذج الذكورية من الرجال، على تلك العشوائيات، تمهيدا للسيطرة عليها من قبل النظام!
واكتساحها بما يناسب مصالحه في استثمار النظام!
ظننت أن مهمتي لابد وستكون عسيرة، في تمكين وتوعية نساء، اعتدن على الخضوع لسلطة ذكورية، لكن تجربتي وخبرتي التي اكتسبتها من التعامل معهن، أثبتتا أنني كنت مخطئة في توقعاتي، فقد مكنتني هذه النساء اللاتي عشن مهمشات، واعتدن على ضياع حقوقهن في فرص عادلة، من إدراك أن لا أفضل في الدنيا من تمكين النساء، أكثر من نظام يمنحهن تلك الفرص، ويدافع عن حقوقهن ويحمي تلك الفرص!
وسرعان ما محين اميتهن باللغة الألمانية، واندمجن في سوق العمل، بمهارة من ترجَّى طوال عمره، فرصة لحياته ولم يحصل عليها مطلقاً، لكنها أتيحت له هنا، في بلد يحترم النساء ويعدل في منحهن فرصهن وحقوقهن!
وهكذا انطلقت النساء في تعويض مافاتهن من حقوق، ولممن شمل أسرهن تحت أجنحتهن المتمكنات، ولأول مرة في حيواتهن المهدورة، أتيح لهن أن يستعدن حقوقاً وحريات من قبضة ذكور، استرهنوا حريات زوجاتهم باستعمال أطفالهن كوسائل ضغط!
لهذه الأسباب وحدها، طلقت النساء السوريات في ألمانيا، من استعبدهن منّ الأزواج
في الجحيم الذكوري الخاضع لسيطرة النظام، الذي ادعى العلمانية ، واستخدم السلفية في قهر شعبه، والتسلط عليه!
إن رد النظام الساقط على ثورة الشعب، وطريقة استخدامه للسلفية والمتأسلمين، وتشويه الفكر الإسلامي العادل، لمصادرة حريات وعقول أبناء العشوائيات السكنية، وتغيير ديمغرافية الوطن، والذي طول أمد سقوطه، ربما قدم لسوريا بذلك، أعظم هدية غير مقصودة لهذا الشعب المقدام، حريته!!!
فقد منحه القدرة بتغريبه لشعبه، وارتكاب الاجرام بمساعدة التطرفات السلفية، منا جعله يقدم للسوريين فرصة ممتازة لتطوير وعيه ومفاهيمه، ولتجاوز عقلية الحرب الأهلية، التي كانت التوقع الطبيعي، للحظة السقوط المدوية للنظام البائد، لكنها لم تحدث، ولن تحدث!
فالشعب السوري، قد خاض غمارها حقاً خلال ثلاثة عشر عاماً من الثورة، كما اختبر السلفيين، وأدرك تماماً، مدى فشلهم في مساعدته في السعي إلى الحرية المنشودة، وعرف أن سقوط النظام كان فقط بسبب ثورته ودمائه وتضحياته ومعاناته منذ ١٩٦٣ حتى لحظة السقوط، وليس بسبب أية ميليشيا سلفية مسلحة، لاتقدر أداء أوسع من دورها، الذي طلب منها، كدمى مسرحية، في تنفيذ مخططات أكبر منها، لإنهاء الصراع السياسي والعسكري، في جوار اسرائيل، وهي العاجزة تماماً، عن صد العدوان الاسرائيلي اليومي، الذي مايزال حتى اللحظة، ينتهك سوريا كل دقيقة، بلا حتى مجرد تصريح تافه:
بالاحتفاظ بحق الرد!
تطور الوعي عند السوريين: نساءاً ورجالاً، في الداخل السوري، وفي التغريبة السورية الأكبر عددياً في التاريخ!
ثقفته حقوق المرأة ومواهبها في ممارسة فرصها في الدراسة والعمل، في الغربة القسرية الجماعية!
كما ثقفته مقدرته على النجاح، في استثمار مواهبه المتحضرة، في كل بلد جاءها لاجئاً، واندمج في اقتصادها فاعلاً!
وثقفته السوريات اللاتي نجحن في السعي في أرزاق أسرهن، تحت ظل غياب الرجال، في المعتقلات أو الحرب أو الغربة أو في البيوت خوفاً من السوق القسري إلى حرب ضد حريتهم!
فلاتخشوا على بلدكم من السقوط رهينة للسلفية، أو لحرب أهليه، فنحن أبناء مستقبل، سنبنيه جميعاً معاً، رجالاً ونساءً، دفعنا من حياتنا أثماناً باهظةً، لوعي سنبني به وطناً، حررناه من سطوة أعتى طغاة العالم والتاريخ، لن يصعب علينا كشعب مقدام، أن ننهي كل صعوبة سواه!

Social Links: