هاشم هشوم
مقدمة
عبر التاريخ، تتكرر أنماط الاستبداد والتسلط، لكنّ ما يميز بعض الأنظمة والمجموعات المسلحة هو تحويل القمع إلى نهج مؤسساتي ممنهج، حيث يصبح الولاء الأعمى والممارسات القمعية معيارًا للصعود في السلطة. في سوريا، شكّل نظام بشار الأسد نموذجًا صارخًا لهذا النهج، معتمداً على التشبيح كأداة لإخضاع المجتمع وفرض نظام الولاء المطلق. وبعد انهيار سيطرة النظام في مناطق معينة، ظهرت مجموعات مسلحة ادّعت السعي للحرية، لكنها انتهجت الأساليب ذاتها، وعلى رأسها هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني في إدلب.
اليوم، نرى أن التشبيح العلوي الذي كان يرسخ سيطرة الأسد لا يختلف عن التشبيح السني في إدلب، حيث أصبحت معايير التسلط والفساد متشابهة، بل إن بعض الممارسات تجاوزت بشاعتها حتى ما كان يحدث في ظل النظام.
التشبيح في ظل نظام الأسد
لم يكن مفهوم التشبيح وليد الصدفة، بل كان سياسة مقصودة تهدف إلى إخضاع السوريين عبر استخدام ميليشيات مدعومة من النظام، مثل “الشبيحة”، الذين مارسوا القتل والنهب والاعتقال التعسفي مقابل الحماية من الملاحقة القانونية. تطور الأمر ليصبح الولاء للنظام، وليس الكفاءة أو النزاهة، هو معيار الترقية في مؤسسات الدولة، مما أدى إلى انتشار الفساد والمحسوبية.
وقد لعبت الطائفية دورًا كبيرًا في تعزيز هذه الظاهرة، حيث تم العمل على “علونة” الدولة، أي جعلها خاضعة لنخبة طائفية محددة، ما أدى إلى تهميش شرائح واسعة من المجتمع السوري. وكان كل من يتجرأ على تحدي هذه البنية القمعية، حتى من داخل الطائفة الحاكمة، معرضًا للإقصاء أو التصفية.
التشبيح السني في ظل الجولاني
على الطرف الآخر، في إدلب، أعادت هيئة تحرير الشام إنتاج نفس النموذج القمعي ولكن تحت غطاء إسلامي. فكما كان النظام السوري يمنح الحصانة للمجرمين والمفسدين طالما كانوا موالين له، باتت الهيئة تفعل الشيء ذاته، حيث يتمتع عناصرها بحصانة مطلقة، فلا يطبق عليهم الحد الشرعي، وتضيع حقوق المدنيين إن كان خصمهم من “العائلة الجهادية”.
وكما تحول النظام السوري إلى مزرعة أسدية، حيث الفساد والمحسوبيات تُحدد مصير الأفراد، أصبحت إدلب مزرعة جولانية، يتصدرها الولاء الأعمى والتملق للجولاني، في تكرار واضح لنفس نمط الاستبداد.
القمع تحت غطاء الدين والسياسة
اللافت أن القمع في الحالتين لم يكن مجرد أداة أمنية، بل تم تبريره بخطاب أيديولوجي. ففي نظام الأسد، كان الحفاظ على “الدولة” و”المقاومة” الذريعة الدائمة لكل الجرائم، بينما في مناطق هيئة تحرير الشام، يُستخدم الخطاب الديني لإضفاء الشرعية على ممارسات القمع والتمييز.
وفي كلا الحالتين، كانت الدول الداعمة تلعب دورًا أساسيًا في توجيه البوصلة السياسية، فالأسد ارتمى في الحضن الإيراني، بينما الجولاني ينحني لمن يدعمه، ولو كان ذلك على حساب استقلالية القرار أو حتى المبادئ التي يدّعي الالتزام بها.
ضياع الحقوق وانهيار العدالة
النتيجة الطبيعية لهذه الأنظمة هو انهيار منظومة العدالة وغياب المحاسبة. فالمواطن العادي في ظل الأسد لا يستطيع المطالبة بحقه إن كان خصمه من “رجال الدولة”، وكذلك في ظل الجولاني، حيث يتم التمييز بين “عامة المسلمين” و”المجاهدين”، مما يؤدي إلى تفشي الفساد والظلم الاجتماعي.
وعليه، فإن الشعب السوري لم يجد نفسه بين خيارين، بل في حلقة مغلقة من القمع والاستبداد، سواء كان ذلك تحت حكم “الدولة العميقة” في دمشق أو تحت حكم “الإمارة المستبدة” في إدلب.
خاتمة
إن تكرار هذه الأنماط من القمع في مختلف السياقات السورية يشير إلى أزمة عميقة تتجاوز الأفراد والزعامات، لتصل إلى بنية ثقافية وسياسية تحتاج إلى مراجعة جذرية. فلا فرق بين تشبيح الأسد وتشبيح الجولاني، طالما أن الحقوق ضائعة، والفساد مستشرٍ، والانحناء للداعمين الأجانب هو القاعدة. وكما أن الخروج من الاستبداد الأسدي تطلب ثورة، فإن الخلاص من استبداد الجماعات المسلحة لن يكون إلا من خلال وعي مجتمعي يرفض كل أشكال القمع مهما كان غطاؤها السياسي أو الديني.

Social Links: