سرديات السجن في حيوات نساء الجنوب

سرديات السجن في حيوات نساء الجنوب


لطيفة زهرة المخلوفي


لا تمكن أهمية أدب السجون في هويته الإبداعية فقط. بل يتعداها إلى كونه أداة توثيق نادرة تنقل تجارب شخصية وسياسية تتقاطع فيها عدة أبعاد ولا تخلو من سكب أديبات وأدباء السجون لانفعالاتهم ومناخهم النفسي بين ثنايا السرد؛ فينقلون من خلالها الكيفيات التي يعيش الفرد تجربة جماعية ترتبط بديكتاتورية واستبداد الأنظمة في مواجهة حلم التغيير.
وبذلك فهذا الصنف من الأدب يحمل طابعا توثيقيا. يتجاوز البعد الإبداعي ليصبح شهادة على واقع الرعب المنظم.
يشير الكاتب “نبيل محمد” إلى أن ندرة الإنتاج الأدبي في هذا المجال تعود إلى الرقابة المشددة والخوف من الانتقام.
تعتمد المادة السردية لأدب السجون على توثيق رحلة الاعتقال وما يعقبها من تحقيقات، لتَعْبُر بعدها إلى رصد وتعقب سيْر الحياة اليومية داخل السجون، وفي خضم هذا تنقل النصوص مختلف محاولات الصمود أمام العنف الجسدي والنفسي، مما يتيح للقارئ النفاذ إلى أبعد نقطة في النفس البشرية. حيث يتم التعرف على الجوانب الإنسانية العميقة في حياة المعتقلين والتي لا تظهر إلا داخل جدران الزنازن.
لقد تنوعت سرديات السجن، ووثقت أساليب التعذيب النفسي والجسدي منها. كما تعقبت وفككت العلاقات بين السجينات، والندوب التي يخلفها السجن الذاكرة.
ونظرا للأهمية البالغة لأدب السجون في إضاءة عتمة ما تمارسه السلطة القمعية، واجه تحديات جمة في الانتشار وترصدته باستمرار رقابة الأنظمة. وترجم “نبيل محمد” (1) هذا بتأكيده على أن اقتناء رواية مثل “القوقعة” (2) كان يعد جريمة، فهذه النصوص تُعَامَلُ على أنها مواد محظورة تُخبّأ بحذر شديد. إضافة إلى الرقابة أشار نبيل محمد إلى أن كاتبات وكتاب أدب السجون يواجهون الخوف الانتقام والعزلة الاجتماعية، وكلها عوامل كبحت الإنتاج الأدبي داخل بلد مثل سوريا وغيره من البلدان. لكن هذا لم يمنع تحديهم تلك القيود بالاعتماد على النشر خارج حدود البلد الأم.
عززت سرديات السجن بأقلام النساء الكشف عن خصوصية المرأة في عيش هذه التجربة، حيث تصبح آليات الاذلال متنوعة وذات أثر بالغ. وهو ما يجعل هذا الأدب يتجاوز كونه مجرد صرخة ألم، ليصبح وثيقة حية تنقل لمن هم خارج ردهات السجون حقيقة ما تخفيه جدران الزنازن.
عامة، إن سرديات السجن ليست مجرد دفاتر ألم أو بوح فردي، بل هي صوت مقاومة، لأنها تواجه ظلمة الزنازن ببسط ما دُفِعَ ثمنا للشمس. كما أنها لا تستكين للصمت وترك التجربة في مقام الشخصي بل ألحقتها بمكانها الطبيعي أي المصير الجماعي.
هوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ صحفي وكاتب رأي سوري
2-رواية تندرج ضمن أدب السجون للكاتب السوري مصطفى خليفة، صدرت الطبعة الأولى عن دار الآداب في بيروت عام 2008. وتعد واحدة من أكثر روايات أدب السجون العربية شهرة، ترجمت إلى 10 لغات، منها : الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية والنرويجية والتركية والألبانية والمجرية والألمانية.

  • Social Links:

Leave a Reply