امريكا الإمبريالية – الإمبراطورية الدولية<br>والشرق الاوسط

امريكا الإمبريالية – الإمبراطورية الدولية
والشرق الاوسط

د . منذر أبو مروان اسبر

لايمكن النظر إلى الواقع الدولي ووضعية الشرق الأوسط ، دون اعتبار أن امريكا وبمفارقة دولة امبربالية – امبراطورية عليا بنظامها الاقتصادي- التكنولوجي _ المالي ـالعسكري .

أن الراسمال يشبه الثورة الكوبرنيكية على مستواه لفهم العالم والتاريخ المعاصر الذي قطع مع المفاهيم التي لايصنعها البشر أنفسهم بأنفسهم ،وذلك مع سيطرة المؤسسة الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية الحديثة ،الإ ان الامبرياليات الكلاسيكية وأن مرت بمرحلة التوسع الجغرافي الاستعماري ، فإن الامبريالية الإمبراطورية ألامربكية عداعن اعتماد الزمن تراكما راسماليا فانها تعتمد أيضا على القوة العسكرية الضاربةتوسعا أو نفوذا .

كان ويلسون واضحا في ذلك منذ بدايات القرن العشرين قائلا :
“علينا أن نحرص …على أن نكون أمة تحمل السلاح .. يحب أن تبقى خططنا سرية مرتكزة على نظام كنا قدقمنابادانته ، نظام التجسس ” .
ولكن هذا النظام الإمبريالي الأمريكي قد أخذ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أبعاده الاوسع دون ان يجد من يجابهه في تكونه العالمي الذي يعني بوحه أساسي أنه تكون مركب متفاوت من تشكيلات موروثة وانتقالية وحديثة تشكل ساحة لمختلف أوجه التنافس والنزاعات فيه، وتعمل القوة العسكرية بترسانتها الحديثة وقواعدها المنتشرة هنا وهناك في العالم على على وحدة امبراطوريته .

والواقع أن النظام الجديد قد اخذ تراتبية مختلفة، ذلك أن الأحادية القطبية لم تعد تطرح بالنسبة لأمريكا التحالف كصراع مشترك ضدالخصم أو العدو وانما أصبحت اعترافا بالتفوق الامريكي وهيمنته الدولية وبهذا فنحن بصدد عالم امريكي يقيم تراتبية في :
١ـ المركز الإمبريالي الاعلى الأمريكي ،
٢ـ المراكز الكلاسيكية الغربية
٣ـ المواقع الإمبريالية الصاعدة في الشرق الأوسط .
٤ـ البلدان الطرفية المستتبعة .
ثمة اذن انه لابد من التشديد أنه بالرغم ممايجمع بين هذه التراتبيات من نمط انتاج رأسمالي عام ، إلا أن التشكيلات الاجتماعية ـ الاقتصادية الملموسة أصبحت موضوع معرفة بالواقع الذي تعيشه والتطور الذي يطرأ عليها عوضاعن الاكتفاء بوصفها نموذج تشكيلات راسمالية .

ماهي وظيفة هذه التراتبية ؟

الواقع أن المركز الأعلى الأمريكي يشكل العمود الفقري للامبرياليات الكلاسيكية وهو الذي يحدد العدو الاستراتيجي الذي يجب التخلص منه أو العدو المارق الذي يجب تأديبه ( العراق 2003) ، ويكمن دور الامبرياليات الكلاسيكية في الدعم اوالتعاون معا على توفير امن الشركات المتعددة الجنسية في العالم وان كانت فرنسا ترفض التبعية التامة وتدعو إلى إقامة قوة عسكرية اوروبية مستقلة تحمى الامن والمصالح الراسمالية الأوروبية .

اماالامبرياليات الصاعدة الاقليمية في المنطقة فهي مواقع للنظام الأمريكي الامبريالي _ الإمبراطوري ( اسرائيل والسعودية تركيا ) وتكمن وظيفتها في العمل عل التكيف أو مراعاة الترتبيات الجديدة للشرق الأوسط ، الترتيبات التي تحتاج حسب كونداليزا رايس إلى “الفوضى الخلافة ” وبتعبير آخر نشر الحروب في المنطقة , بما يشير إلى أوضاع البلدان العربية والتي تشكل ( البطن الرخو ) في الشرق الأوسط كمايقال في اللغة الاستراتيجية .

ما يفرق بين هذه التراتبيات هي أن أمريكا قادرة اكثر من بقية منظومتها الدولية المشار إليها من وضع خططهها الاستراتيجية البعيدة المدى ، بحكم التفوق الرأسمالي والتكنولوجي والعسكري وتجسساته الدولية ، بينما تظل استراتيجيات غيرها محصورةبالمنطقة الاقليمية أو مترابطة فيما بينها عبر الحلف الأطلسي ، في حين أن بلدانا مثل سورية وليبيا والعراق والسودان واليمن الخ .. نادرا ماتملك إمكانية وضع استراتيجية لها كتشكيلات دنيا اجتماعية واقتصادية وسياسية طرفية مفككة أو مستتبعة . وهكذا كما يشيرالاختصاصي في الأمور العسكرية الاستراتيجية آلان جوكس في “أمريكا المأجورة ” انه اذا كان بإمكانها أن تلجأ إلى حلفاء لها فإن عليها أن تملك القدرة على “ردع التهديدات أو المس بالمصالح الأمريكية على مستوى العالم كله ” وفي هذا فإن أمريكا تتميز اكثر من غيرها باستراتيحية متنوعة فعالة اكانت حربا عسكرية أم حربا دبلوماسية أم حربا اقتصادية .

في هذا فإن الحرب الإقتصادية لاتعني العقوبات أو الحصارات الاقتصادية اوفرض التقيد بها على حلفائها وحسب وانما بالعمل على اخضاع النظام العدو لمصالحها وان كان ثمن ذلك آلاف الضحايا بين الشعوب التي تطبق عليها هذه الحرب وبانتهاك كل شرع قانوني أو انساني او اخلاقي بما يزعزع القيم والمبادئ التي تقوم عليها الدولة الأمريكية .

ولكن السؤال الذي يظل يطرح نفسه بقوة : هل تستطيع أمريكا الأحادية القطبية أن تتحرك وحدها استراتيجياباستمرار ؟ البعض يجيب بلا ، ولكن أمريكا قامت بفرض نظامها الاستراتيجي في البوسنة عام1995 وفي الكوسوفو 1999وفي أفغانستان 2001وفي العراق 2003 ….وهذا خلافا لتعهداتهافي احترام القانون الدولي ومؤسساته بحيث لايوجد من حدود تحد تدخلاتها على طريقة الامبراطوريات القديمة بما يمكن من القول أن وجود أمريكا في الشرق الأوسط يعود إلى اسباب عسكرية _ اقتصادية _ سياسية معا .

مايهم بالنسبة لنا هنا هي التشكيلات الدنيا في الإمبراطورية الأمريكية المتعلقة بمعظم البلدان العربية .

فهذه البلدان كانت عبارة عن ولايات في العصر الاقطاعي السلطاني وعرفت العصر الرأسمالي الاستعماري غير أن تحررها الوطني لم ينتج تغييرا جذريا شاملافي بنيتها الانتقالية المركبة المذكورة ولافي حدودها المرسومة ، ولهذا يمكن أن نرى في وضع الامبراطورية الأمريكية بنى إنتاجية متغايرة ما قبل راسمالية وشبه راسمالية أوراسمالية تابعة .

هذا لايعني أنه لا يوجد من تناقضات داخل هذا النظام لأن الرأسمالية نفسها تقوم على التنافس بين تشكلاتها المختلفة ، ولكن هذا يعني أن أمريكا تعمل ماامكن على ضبط هذه التناقضات بتغليب مصالحها على غيرها من جانب ومن جانب أخر بإقامة حلول براغماتية للتناقضات أو النزاعات بين مختلف المصالح.

ولئن كانت أطروحات أن الرأسمالية تعتمد على روافع قوة الاقتصاد ـ التكنولوجيا ـ المال ، وتهميش قوة العنف العسكري أو استخدام الايديولوجيات الدينية ، إلا أن هذه الأطروحات لاتتوافق مع مايجري إذ أن أمريكا تستخدم العدوانية العسكرية مباشرة أو بالوكالة ( غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان ) كما تستخدم توظيف الأيديولوجيا الطائفية والأتنية ( العراق الفدرالي ) او الضغط لاقامة الاتفاقيات الابراهيمية ( الإمارات العربية ، البحرين ، المغرب ) ، معتمدة بذلك كله على توظيف وتنشيط اساسيات في العديد من بنى الشرق الأوسط لتغيير اوضاعه : المذهبية في السياسة أو ريعية الاقتصاد التابع أو الدولة المعسكرة فيه .

إن الإمبريالية – الإمبراطورية وهي تعتمد على القوى الإنتاجية الاقتصادية والمالية الرأسمالية بما في ذلك الرأسمالية المعرفية وراسمالية انتاج السلاح وبيعه ، فإنها تعتمد على اتفاقيات الدفاع المشترك وقواعدهاالعسكرية في منطقة الشرق الاوسط امتدادا عسكريا لها في هذه البلدان .
ولكن اذا نظرنا إلى أمريكا من خلال الأحداث التاريخية نجد أنها بإمكانها أن تلعب حسب الحاجة دورين :

دور دولة ماجورة كما حدث في حرب الخليج عام 1991 حين تدخلت عسكريا ضد العراق بعد أن دعمته في حربه مع ايران وذلك مقابل مادفعت لها دول الخليج من أموال في وضع من منافسة حادة اقتصادية وتجارية مع بلدان أخرى .

ولكن أمريكا تقوم بدور آخر ايضا أي بدفع المال والسلاح لقوى محلية ( الاكراد ) لمواجهة عدو مهدد ولهزمه (داعش 2014 ) أو دعم الفصاىل العسكرية المختلفة المرتزقة منها أم لا ، الارهابية أم لا ، والتي تتنوع سوسيولوجياحسب بلدانها ، لماذا ؟ لان أمريكا تعمل في حربها على استخدامها تفاديا للتضحية بجنودها ومنعكساته الاجتماعية والانتخابية .

كيف يمكن تفسير هذا الاستخدام الا ضمن منطق مواجهة الاخطار وعلى رأسها انهاء تمدد القوى الصاعدة المهددة واعادتها إلى حدودها الدولية . ذلك أن الاستراتيجية الأمريكية أمام تراتبية الاخطار ، انما تتبع سياسة براغماتية للحد من هذا الخطر أو دفعه وبالتالي تدعيم إقامة سلطات جديدة بديلة هنا وهناك في المنطقة .

ماهو مصير هذه السلطات الجديدة ؟

أن هذا لايتحدد بمسألة الصراعات السياسية بين النخب المحلية حول الدولة بسبب ضعف التشكيلة الاجتماعية الإقتصادية الدنيا إنتاجا وتنميةوسوقا؛ وحسب ، وانما ايضا بالوظيفة المناطة بالسلطات الجديدة أمنا واستقرارا محليا واقليميا على قاعدة أن يكون اقتصادها ليبراليا حرا حتى ولو ان النظام السياسي فيها عسفي او ديكتاتوري .

هل هذا يعني أن الامبريالية الإمبراطورية الأمريكية قادرة على فرض استمرار نظامها أم أنها أصبحت تخشى على سيطرته وتفوقه ؟
هذا ما سيكون موضوع مبحثنا القادم


.

.

  • Social Links:

Leave a Reply