هاشم هشوم
لطالما كان التاريخ مرآة تعكس مآلات المجتمعات وتغيراتها السياسية، ومع النتائج الأخيرة للانتخابات الألمانية، نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي قد يعيد إلى الأذهان فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. فحصول الحزب الديمقراطي المسيحي على 210 مقاعد، وحزب البديل اليميني على 145 مقعدًا، والحزب الشيوعي على 118 مقعدًا، يثير تساؤلات حول إمكانية إعادة إنتاج تحالفات غير متوقعة، كما حدث في ألمانيا ثلاثينيات القرن الماضي.
مقاربة تاريخية: صعود النازية من رحم الاضطرابات السياسية
في أوائل الثلاثينيات، كانت ألمانيا تعاني من اضطرابات اقتصادية واجتماعية حادة، حيث تسببت الأزمة الاقتصادية الكبرى في انهيار ثقة الجمهور بالأحزاب التقليدية. هذا السياق خلق بيئة مناسبة لصعود الأحزاب المتطرفة، وعلى رأسها الحزب النازي، الذي استطاع توظيف استياء الجماهير لصالحه. المثير للانتباه آنذاك أن الحزب النازي لم يكن بعيدًا تمامًا عن التيارات اليسارية في بعض تحالفاته السياسية، حيث وُجدت تقاطعات تكتيكية بينه وبين بعض الجماعات الشيوعية التي كانت تعارض النظام الديمقراطي البرلماني.
تشابهات مع المشهد الحالي؟
عند النظر إلى خريطة القوى السياسية اليوم، يمكن ملاحظة صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا”، وهو حزب يميني قومي يحمل مواقف متشددة تجاه الهجرة والسياسات الأوروبية. في الوقت نفسه، يحافظ الحزب الشيوعي على وجوده كقوة معارضة قوية للنظام الرأسمالي القائم. ومع تصاعد التوترات الاجتماعية والاقتصادية في أوروبا، نجد أن كلا الحزبين يجذبان الناخبين الساخطين على الوضع الراهن.
التساؤل الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن أن نشهد تقاربًا سياسيًا بين تيارات تبدو متناقضة؟ إذا نظرنا إلى التاريخ، نجد أن المصالح السياسية قد تفرض تحالفات غير متوقعة، خصوصًا عندما يكون الهدف هو زعزعة استقرار المنظومة السياسية التقليدية.
ما الذي يميز الوضع الحالي عن الماضي؟
بالرغم من التشابهات الظاهرية، هناك عوامل تمنع تكرار السيناريو النازي بنفس الشكل:
- قوة المؤسسات الديمقراطية: النظام السياسي في ألمانيا اليوم أكثر استقرارًا، ويحظى بضمانات دستورية وقضائية قوية تمنع انزلاقه إلى استبداد شبيه بالحقبة النازية.
- وعي شعبي أوسع: الشعب الألماني اليوم أكثر إدراكًا لخطورة التطرف السياسي، وهناك رفض واسع للأيديولوجيات الفاشية.
- التوازن الأوروبي: انخراط ألمانيا في الاتحاد الأوروبي يشكل عامل استقرار يمنع حدوث تحولات جذرية تهدد الديمقراطية.
ختامًا: التاريخ لا يعيد نفسه بنفس الطريقة، لكنه يحذرنا
لا يمكن إنكار أن هناك أوجه تشابه بين الماضي والحاضر، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن التاريخ سيتكرر بحذافيره. ما يمكننا تعلمه من الماضي هو ضرورة اليقظة تجاه الخطابات المتطرفة، وأهمية الحفاظ على الديمقراطية كدرع يحمي المجتمعات من الانجراف نحو الفوضى. ففي النهاية، يبقى التاريخ درسًا لمن يريد التعلم منه، وليس مجرد دائرة مغلقة لا مفر منها.
لقد قمت بكتابة مقالة تناقش المقارنة بين المشهد السياسي الحالي في ألمانيا وصعود النازية في الماضي.
✍ هاشم هشوم

Social Links: