فاطمة سليمان محمد
في زاوية هذا العالم، هناك وطن لم يُمنح خيار البكاء، لكنه بكى. وطن لم يطرد أبناءه، لكنهم غادروه محملين بحنين لا تسعه السماء. لم يكن مجرد بقعة على الخريطة، بل كان ذاكرة محفورة في القلوب، فكرة لا تموت، وألمًا يرفض أن يهدأ مهما مرّ الزمن.
هي لنا، لأنها لا تزال تسكن في أصواتنا حين ننادي أطفالنا، في سجادتنا التي فردناها للصلاة، في الأسماء التي نحملها ونورثها كالعهد. ليست للبيع، ولا للخذلان، ولا للمساومة. سوريا لا تملكها يد، لا تتحكم بها طاولة مفاوضات، لا تنطفئ بصفقة، ولا تضيء بمكرمة. سوريا ببساطة، لنا… لأنها نحن.
أيّ أرض تلك التي خُلق ترابها من ذاكرة المجد؟ وأيّ سماء تلك التي ظلّت زرقاء رغم كل ما مرّ بها؟ سوريا، الأرض التي لم تشبع من حب أبنائها، والسماء التي لم تبخل بمطرها عليهم. زيتونها لم ييأس، ونخيلها لم ينحنِ، ونهرها لم يتوقف عن الجريان، كما لم تتوقف قلوب أهلها عن الحنين.
في زوايا الأزقة العتيقة، هناك حكايات لم تكتمل، طرقات ما زالت تحفظ وقع الخطى، وجدران احتفظت بصدى الضحكات وأصداء الغياب. المغترب الذي رحل بجسده بقي هناك بروحه، والسوري الذي بقي لم يعد كما كان. ليست الغربة مجرد مسافات، بل فجوة بين ما كان وما صار، بين ما يجب أن يكون وما فُرض عليه أن يكون.
في كل مطار، في كل شارع بعيد، في كل مقهى على ناصية غربة، هناك سوريٌّ ينظر في المرآة فلا يرى سوى وجه الوطن. حملوا سوريا في حقائب سفرهم، في ملامح أطفالهم، في نبرة أصواتهم، في دموعهم التي تنزل بلا موعد. كأن الغربة لم تُخلق إلا لتذكرهم أن سوريا ليست خلفهم، بل تسكن في صدورهم.
وعلى الطرف الآخر، حيث يصطف الفقراء في طوابير الانتظار، يصل الخير محمّلًا بكراتين مغلّفة، لكنه لا يبلغ كل الجياع. لم يكن العطاء يومًا أزمة، لكنه تحول إلى معادلة معقدة، موزونًا بميزان الولاءات، كأن الفقر يحتاج إلى إذن، وكأن النجاة ليست حقًا بل امتيازًا. لم يكن السوري يومًا يمد يده، لكنه اليوم يجد نفسه محاصرًا بين الجوع وبين كرامة لا تقبل المساومة.
حين يصبح العطاء أداة للهيمنة
عبر المعابر، عبر الطائرات، عبر الحسابات البنكية، تدفقت المساعدات كالسيل، لكنها لم تكن تُغيث الأرض التي نزفت، بل تغرقها في لعبة من يملك الحق في إطعام الجائع. أكانت يد العطاء نقيّة أم أنها كانت تضع ختم الملكية على لقمة الخبز؟ كانت القوافل تمضي، تلتقط صورًا، تترك وراءها ظلًّا طويلًا من الامتنان المصطنع، ثم تختفي، ويبقى الجائع جائعًا.
أليس هذا الوطن للذين نبتت جذورهم فيه؟ لماذا صاروا يتوسلون إليه وهم أبناء تربته؟ لماذا صار الفقير ينتظر تصريحًا لينال ما هو له؟ إن كل لقمة دخلت، وكل شريان ماء تدفق، وكل غطاء برد قدّم، هو من حق السوري، ليس مكرمة، ولا منحة، ولا تفضّلًا. هو دين في رقبة العالم، هو واجب لا يحق لأحد أن يحسبه تجارة، ولا أن يكتبه فضلًا.
وفي ليالٍ باردة، خلف نوافذ الغربة، يحدّق أحدهم في السماء هامسًا: “المنفى ليس وطنًا… بل المسافة التي لا تُقاس بالأميال، بل بالحنين.” ربما لن تطول المسافة، ربما سيأتي يوم تعود فيه سوريا كما كانت، حين تشرق شمس لا تحمل ثمنًا، وحين يكون الوطن لأبنائه، بلا قيد، بلا شرط، بلا مساومة.
وسيأتي يوم، يفتح فيه السوري نافذته، فلا يرى غربة ولا حربًا، بل شمسًا تعرف وجهه، وهواءً يحمل رائحة الياسمين لا غبار الرحيل. سيعود الوطن كما كان… لا يُقاس بالحدود، بل بالحب الذي لم ينطفئ، وبالأبناء الذين، رغم كل شيء، ما زالوا يحلمون به.

Social Links: