منهج معالجة مشكلة القطاع العام االقتصادي في سورية

منهج معالجة مشكلة القطاع العام االقتصادي في سورية

سمير سعيفان


إن معالجة قطاع اقتصادي وخدمي كبير، يضم قرابة 250 شركة ومؤسسة ووحدة إنتاجية، وقد
ّفت فيه مليارات من الدوالرات على مدى عدة عقود، ويعمل فيه مئات آالف السوريين، ال يمكن معالجته
ومن خلال اجتماعات مستعجلة وانطباعات عن اقتصاد السوق وعن دور الدولة وعن الخصخصة
بتسّر
ُعالج تحت ضغط الحاجة والبحث عن إيرادات بأي سبيل،
والشراكة بين العام والخاص، وال يمكن أن ُي
إنما تتطلب معالجته دراسة واسعة ورسم رؤية شاملة ووضع برنامج واضح، يتوقع اآلثار السلبية لخطوات
املعالجة، ويقوم بوضع سياسات واتخاذ خطوات ملواجهة تلك اآلثار السلبية.
رسم دور القطاع العام االقتصادي في سورية: محددات ومبادئ
اًلا
املعالجة املسؤولة لهذا القطاع الضخم تتطلب التأني وعدم االستعجال، وتتطلب الدراسة الجيدة أو
على أيدي خبراء. فقد احتملنا هذا الوضع بضعة عقود، ويمكن أن نحتمله بضعة شهور أخرى، كي نرسم
ً ا واضح املعالم ي�ضيء لنا الطريق، ونعالج أوضاع القطاع على أساسه على النحو املنتج واملجدي
ً ا جديًد
نهًج
والعادل، فال نهدر ثروة كبيرة نتيجة اندفاعنا إلصالح أوضاعه.
ُرسم دور القطاع العام االقتصادي السلعي والخدمي، من خالل رسم الدور االقتصادي للدولة، فهو
ُي
ُرسم دور الدولة االقتصادي من خالل رسم السياسة العامة للدولة، فهو جزء منها، والسياسة
جزء منها، وُي
ٌ من النموذج االقتصادي االجتماعي الذي تحدده القوى املسيطرة في الدولة واملجتمع،
العامة للدولة هي جزٌء
ّسه في الدستور، وفي البنية التشريعية والتنظيمية، وفي ممارساتها العامة. وفي العالم مناهج رئيسية
للنماذج االقتصادية االجتماعية )انظر امللحق رقم 3(. وبالتالي، ال يمكن معالجة الجزء بمعزل عن الكّل
ثمة اتجاهان رئيسان في العالم لرسم الدور االقتصادي للدولة والقطاع الخاص، يسعى االتجاه األول
ً ا،
لرسم دور الدولة في أضيق نطاق، ويرمي جميع املهام على القطاع الخاص الذي يعمل بدافع الربح أساًس
مما يبعد املسؤولية عن كاهل السلطة القائمة، وتكتفي الدولة بدور صغير قدر اإلمكان، وترفع شعار
”الدولة النحيلة ”State Slim. ويسعى النموذج الثاني لرسم دور فعال للدولة في الحياة االقتصادية، ويضع
ًا من املهام التي تقوم بها منطلقة من املصلحة العامة. ويظهر دور الدولة في األزمات على نحو
على عاتقها كثيًر
خاص، وقد نما دور الدولة والقطاع العام االقتصادي في أوروبا بشكل كبير بعد الحرب العاملية الثانية،
ًا في إعادة اإلعمار. وحتى في الواليات املتحدة، ففي أزمة 2008 اضطر الرئيس األميركي نفسه
ًا كبيًر
ولعب دوًر
إلى االستعانة بالدولة لدعم القطاع الخاص وحمايته من االنهيار، ألنه يحمي وظائف العمل.
ّ مار الكبير في املساكن واملباني والبنية التحتية والدمار االقتصادي ونزوح
أما في سورية، مع كل هذا الّد
وهجرة أكثر من نصف سكان سورية، فإن دور الدولة سيكون أكبر بالتعريف، ويجب أن تتضافر جهود
الدولة والقطاع الخاص والقطاع املدني والقطاع األهلي، من أجل النهوض
التنظيمية، على الدولة أن تقيم بنية تشريعية وتنظيمية ومؤسسية إلدارة االقتصاد وخلق مناخ يشجع على
االستثمار واإلنتاج ووضع الخطط والبرامج االقتصادية التنموية، وأن تدير إعادة اإلعمار املادي واملجتمعي
ّم سوق العمل وتسهم في خلق فرص عمل بأجور جيدة، ولكن ليس
نّظ
ُ
وإعادة الالجئين والنازحين، وأن ُت
ً ا أن تقوم بدور مقدم الخدمات سواء املجانية
بالضرورة في القطاع العام اإلداري أو االقتصادي، وعليها أيًض
ًا ممن
ًا، ومع وجود قرابة مليوني طفل خارج املدارس اليوم، وقد فات كثيًر
ًا أو كلًي
او مدفوعة األجر جزئًي
ّوا أن يلتحقوا باملدارس، فإن دور الدولة هنا كبير، فعلى الدولة السورية أن تجعل التعليم املجاني
شّب
ً ا لجميع السوريين، في جميع مراحله، من دون أن تحتكره، وأن تجعل الرعاية الصحية للمواطنين
متاًح
شراكة مع القطاع الخاص، وهي مسؤولة عن توفير البنية التحتية واملرافق األساسية، وهي املسؤولة عن
ّبهم الفقر، ف ضاًلا عن مسؤوليتها عن أمنهم والحفاظ
ّ أدنى من مستوى املعيشة للمواطنين يجّن
تأمين حّد
على كرامتهم الوطنية واإلنسانية. )صادقت سورية في 21 نيسان/ أبريل 1969 على العهد الدولي الخاص
ّ من أن يكون لها
بالحقوق االقتصادية واالجتماعية والثقافية لعام 1966(. وفي وضع سورية الحالي، ال بّد
ٌ في القطاع االقتصادي اإلنتاجي، فمن املعروف أن الثروات الباطنية هي ملك للدولة ويمكن أن تستمر
دوٌر
في استثمارها مباشرة، كما كان األمر من قبل )نفط وغاز وفوسفات(، وال بد أن يكون لها بنوك حكومية إلى
جانب القطاع الخاص، ولديها اليوم شركات يمكن أن تعمل بربحية كبيرة، ومن املجدي أن تحتفظ بها، وال
بد أن يكون لها دور في البحث العلمي لتطوير اإلنتاج وغيرها من أدوار.
وبالعموم، يمكن أن أوجز رؤيتي لبناء السياسة االقتصادية الكلية في سورية القادمة على مجموعة من
املحددات هي:
ال يوجد وصفة جاهزة للنجاح وال طريق واحد للفشل. ومن ثم ينبغي عدم التمترس األيديولوجي
خلف مقوالت اقتصادية ثابتة، والزعم بالصحة املطلقة ألي منها.
االستعانة بالخبرات النظرية املتراكمة، واالستفادة من تجارب دول أخرى متقدمة ونامية، )في
فترات الحروب واألزمات يزداد دور الدولة االقتصادي(.
االنطالق من الواقع االقتصادي واالجتماعي والسيا�سي السائد في البالد. وفي أزمان الحروب، يصبح
دور الدولة وقطاعها االقتصادي أكبر، وهذا حال سورية التي تخرج اآلن من زمن الحرب.
أن يكون اقتصاد السوق الحر هو النموذج السائد في سورية، مع أدوار مرسومة للدولة، وثمة
نماذج متعددة، من دون أن يكون هناك تعصب لنموذج دون آخر.
ّ ر أن القطاع الخاص دافعه وأولويته هما الربح، وهو من خالل
يتطلب رسم السياسات العامة تذك
ّي االحتياجات العامة واحتياجات اآلخرين، في حين إن أولوية القطاع العام
سعيه إلى الربح يلب
ّ الثغرات وتحقيق االستقرار، ثم
االقتصادي هي تحقيق التوازن وتلبية االحتياجات العامة، وسد
استهداف الربح.
يجب التركيز على استهداف الرفع املتنامي لقدرات البالد على تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية
ُختار على أسس
ّ مة ت
)دولة ذكية ترسم سياسات ذكية، إدارة نزيهة ذات كفاءة، تقنية متقدمة تختار على اس
عالقات دولية تشجع قدرات النمو، حريات عامة في التنظيم والتعبير
مناسبة، كوادر مدر
واالعتقاد، ومجتمع مدني قوي، وقطاع أعمال ذو مشروع وطني(، تشكل صمام أمان ضد الفساد
والسياسات الخاطئة.
ً ا، بل يجب
ٌ ال يتحقق تلقائي
تحقيق مستوى متنام من العدالة االجتماعية في توزيع الثروة، وهو أمر
العمل عليه، والدولة لها دور أساس في ذلك.
دور الدولة اإلداري والتنظيمي ودورها االقتصادي واالجتماعي هما مترابطان ويشكالن وحدة
مترابطة.
عدم أخذ أي مقولة في السياسة االقتصادية كحقيقة ثابتة، )مثل القطاع العام هو القائد،
أو القطاع الخاص هو الخالص، أو شعار الدولة النحيلة، أو إجماع واشنطن Washington
Consensus هو مفتاح الحل أو غيرها(.
ال تضيف الخصخصة قدرات إنتاجية إضافية، فهي ليست استثمارات جديدة، بل مجرد تحويل
للملكية من يد الدولة، ممثلة بالحكومة، إلى القطاع الخاص املحلي أو األجنبي، في حين إن سورية
بحاجة إلى استثمارات جديدة في قطاعات حيوية جيدة وبتقانات حديثة مواكبة للتطور، وعملية
ّ ل الطاقات
ّية لالستثمار في القطاعات الحديثة، غير أن بيع القطاع العام يحو
الخصخصة غير ملب
اإلنتاجية التي تملكها الدولة وتعجز عن إدارتها بكفاءة، إلى القطاع الخاص الذي يمكن أن يديرها
ّ .
ًا على األداء االقتصادي ككل
ّ ا يرتد إيجاب
بكفاءة أعلى، مم
ً على
ً على ما سبق، وفي ظروف سورية امللموسة اآلن، يمكن رسم دور القطاع العام االقتصادي بناًء
وبناًء
جملة من الوظائف:
وظيفة اقتصادية استراتيجية: مثل استثمار الثروات الباطنية، إنتاج الكهرباء، إنتاج بذار القمح
والقطن، والسماد، وغيرها.
وظيفة اقتصادية تكميلية: كأن يستثمر في قطاعات تكمل الحلقة/ الدورة االقتصادية، لنوع
محدد من الصناعات أو الخدمات التي يحجم القطاع الخاص عن االستثمار بها، كون مخاطرها
كبيرة أو تتطلب استثمارات كبيرة، أو الدخول شراكة كشريك مع القطاع الخاص PPP.
ّ ع قاعدة توزيع الدخل: عبر تشجيع التعاونيات االستهالكية
وظيفة توسيع قاعدة امللكية بما يوس
واإلنتاجية، ومنحها مزايا، وتشجيع قيام شركات مساهمة تطرح لالكتتاب العام، وتشجيع
النقابات والبلديات على إنشاء شركات إنتاج سلعي وخدمي خاصة، بنشاطها أو بخدماتها او
استغالل مواردها.
ّ م قطاعها االقتصادي منتجات وخدمات منافسة بالسعر والجودة، بما يمنع
وظيفة تنافسية: يقد
االحتكار ويجبر القطاع الخاص على االلتزام بها )مشاف حكومية، تعليم حكومي، إنتاج أدوية(.
وظيفة اجتماعية: عبر تقديم سلع وخدمات أساسية محددة ومدروسة، بسعر مدعوم من قبل
الخزينة العامة، لدعم الفئات محدودة الدخل.
ً ا في أي من الصناعات والخدمات، وأن يبقى القطاع
أال يكون القطاع العام االقتصادي احتكاري
الخاص هو القطاع الرئيس في مجمل النشاط االقتصادي، وأن ينتج النسبة األكبر من الدخل.

  • Social Links:

Leave a Reply