فرح العاقل
السويداء تحت الحصار: اختبار قاسٍ لصلابة المجتمع وموقف الحكومة الجديدة
السويداء – مايو 2025
منذ مطلع شهر أيار، تواجه محافظة السويداء واحدة من أخطر مراحلها، بعد أن فرضت جماعات تكفيرية مسلّحة، محسوبة على الحكومة السورية الجديدة، حصاراً خانقاً عليها من عدة محاور.
هذه الجماعات، التي ترفع شعارات دينية متشددة وتتمتع بغضّ نظر رسمي، كثفت وجودها في محيط المحافظة وعملت على عزلها عن محيطها، تمهيدًا – كما يرى مراقبون – لفرض وصاية أمنية بالقوة.
جماعات تكفيرية بدعم غير معلن:
هذه التشكيلات المسلحة، المدعومة لوجستياً من جهات تابعة لوزارة الدفاع، تنفذ خطة ممنهجة عبر إقامة حواجز، تهديد القرى بالاقتحام، ومنع دخول المواد الأساسية، كل ذلك تحت ذريعة “ملاحقة الخارجين عن القانون” و”فرض السيادة”. لكن الحقيقة، كما تكشف مصادر محلية، أن الهدف هو إخضاع المحافظة وإسكات صوتها المستقل الذي ظل عصياً على الاحتواء منذ عام 2011.
الشيخ الهجري: مناشدة للحماية الدولية في ظل تقاعس داخلي:
في تطور غير مسبوق، خرج المرجع الروحي الأعلى للطائفة الدرزية، الشيخ حكمت الهجري، بموقف علني طالب فيه المجتمع الدولي بالتدخل لحماية أهالي السويداء، محذراً من وقوع مجازر على يد الجماعات التكفيرية المدعومة من جهات رسمية. وشدد الهجري على أن أبناء المحافظة يُستهدفون على أساس طائفي ولأنهم تمسكوا بمسار مدني وسلمي، ورفضوا الالتحاق بأي من مشاريع التسلّط أو العنف.
دعوة الشيخ الهجري للحماية الدولية عكست حجم القلق داخل الأوساط الدينية والاجتماعية في السويداء، وجاءت بعد تجاهل الحكومة لمناشدات متكررة لوقف الاعتداءات، بل وتسهيلها مع انتشار الجماعات المتطرفة حول المحافظة.
المجتمع المدني والفصائل جبهة دفاع متكاملة:
رغم الحصار والتصعيد، لم تُكسر إرادة أبناء السويداء. فقد أعادت الفصائل المحلية انتشارها على تخوم القرى المهددة، وأعلنت استعدادها الكامل للدفاع، دون أن تبادر لأي تحرك هجومي. كما تنشط المبادرات الأهلية في تأمين الاحتياجات الأساسية وتوثيق الانتهاكات وكل ما يُمارس من تحريض وتجييش طائفي ضدّ السويداء وأهلها سواء على الأرض أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتقديمها لاحقاً للقضاء.
في موازاة ذلك، أطلق ناشطو المجتمع المدني نداءات إلى منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة للتدخل السريع بالضغط على الحكومة، للتراجع عن استخدام العنف والإرهاب ضدّ محافظة آمنة لم تعتدِ على أحد، وسط خشية حقيقية من تصعيد دموي قد يدفع المنطقة إلى فوضى أمنية.
خاتمة: هل تنجح السويداء في حماية هويتها؟
تقف السويداء اليوم على مفترق طرق حساس بين مشروع إعادة إنتاج الاستبداد بصيغة جديدة مموّهة بالشرعية، وبين خيار الدفاع عن هوية مدنيّة تعددية حافظت عليها رغم كل الضغوطات منذ عام 2011. وفي هذا السياق فإن تقارب موقف مشايخ العقل، الفصائل والمجتمع المدني يشكّل حائط سدّ صلب في وجه محاولات التركيع ويعيد تأكيد أن الجنوب السوري ليس ساحة مفتوحة لتجريب مشاريع الهيمنة.

Social Links: