زكي الدروبي
ليلة فوضوية، مملوءة بأصوات الرصاص، مطاردة لضابط من الفلول، استشهاد عنصر أمن عام، اختطاف وقتل مدنيين، هذا اختصار لمشهد ليلة ويومي 24-25 نيسان بحمص، فهل نحن أمام فوضى أمنية، أم مؤامرة ما؟
ماذا حدث؟
قتل العميد الطيار “علي شلهوب” من فلول نظام الأسد، أثناء مقاومته الاعتقال، ومحاولته رمي قنبلة على الأمن العام، واستشهاد عنصر الأمن العام حسين غليون، أبو بشار الخال.
كما تناقلت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي أخبارا مختلفة، كخبر إطلاق ملثمين النار على حواجز الأمن العام، تم نفيها جميعا من قبل مصدر مسؤول بعد اتصالي به، مؤكدا أن العمل الوحيد الذي تم هو محاولة اعتقال الضباط من الفلول، والتي انتهت بمقتله، واستشهاد عنصر الأمن العام.
صباح اليوم التالي استيقظت على الأخبار المفجعة، اختطاف أربعة عشر مدني، وقتلهم بإعدامات خارج نطاق القانون من قبل مجهولين، وهو جريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي.
رأي السلطة:
ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات تظهر مجموعات مدنية مسلحة مع سياراتها، وأصوات تعلن انتماء هذه المجاميع إلى عشيرة معروفة في حمص، وتؤكد أنها تساعد الأمن العام في تفتيش بعض أحياء المدينة.
مصدر مسؤول نفى استعانة السلطة بهذه المجاميع المدنية، مؤكدا بأننا “لا نخشى الفلول، لأن الأمن والشرطة يمكنهم التعامل مع الأمر وضبطه”، وأضاف بأن مشكلتنا تكمن في أن الكثير من أبناء الثورة يتابعون الصفحات المحرضة الكاذبة، فما إن تنتشر شائعة بأن الفلول تقوم بعمل ما، حتى تراهم يخرجون أفرادا ومجموعات بسلاحهم، محاولين الدفاع عن المدينة، ويضعون أنفسهم مكان مؤسسات الدولة، وهذا عقّد مهمة الأمن العام في تلك الليلة، وأسفر عن فوضى كبيرة، مما اضطر رجال الأمن لإطلاق الرصاص في الهواء وتفريق الناس.
المصدر المسؤول أكد لي بأنهم يعملون على سحب السلاح خارج سلطة الدولة من كل المدنيين، وهذا امر معقد ويحتاج إلى وقت.
المسؤول طالب الجميع بضرورة الانصياع للدولة، وتسليم السلاح غير الخاضع لها، والابتعاد عن الصفحات التي تروج للفتن وتنقل أخبارا كاذبة، واستقاء الأخبار من مصادرها الرسمية.
الإعلام والتحريض:
ساهم الإعلام غير المهني وبعض الصفحات المحرضة في نشر الشائعات والحقن الطائفي، مما فاقم حالة الهلع. كما أن الخطاب غير المسؤول، الذي يربط أحياء أو طوائف كاملة بممارسات فردية، أعاد إنتاج الكراهية والانقسام.
فمثلا وعند نشر خبر يؤكد على اكتشاف مستودع سلاح لنظام الأسد في الحي الفلاني، رغم أنه يتواجد في الحقيقة بحي آخر ملاصق للحي المذكور، أو ينشر خبر عن اكتشاف صواريخ موجودة في قرية معينة، رغم أن حقيقة هذا المستودع عبارة عن جزءا من قطعة عسكرية لجيش النظام الأسدي، فهذا يعزز من خطاب الكراهية وإنتاج الانقسام، ويزيد من مخاوف الشارع الثوري، واحتقانه، فأصبحت حمص تعيش على حافة الانفجار، وهو ما يسعى إليه أعداء الثورة، الفوضى.
ماذا يهمنا إن كان المستودع موجود في هذا الحي أو ذاك؟ هذا يحيلني إلى تشبيه بغاية الأهمية، لقد عانى اللاجئ السوري من الأخبار التي تستخدم في التحريض عليه، سواء أكانت أخبار حقيقية، أم كاذبة، عبر نزعها من سياقها وإلحاقها باللاجئ السوري، لتحريض المجتمع عليه، فماذا يهمنا من جنسية مجرم الذي اقترف جرم تحرش بفتاة تركية؟ هل يتغير الجرم إن كان المتحرش تركي أو من حملة أي جنسية أخرى غير الجنسية السورية؟
في المقابل ساهم غياب الإعلام الرسمي، وضعف الثقة به، كونه اعتُبر لسنوات أداة للسلطة، وليس صوتا للناس، في تفاقم الفوضى.
حوادث الاختطاف والإعدامات خارج نطاق القانون، والتي أصبحت شبه يومية في أحياء معينة من مدينة حمص، رسخت الفوضى الأمنية، وأصبح لدى البعض قناعة بإمكانية فعل الجريمة والإفلات من العقاب، مما شجع المجرمون على عمليات الخطف والتصفية خارج نطاق القانون لأربعة عشر مدنيا في تلك الليلة، والتي وصلنا فيها إلى شفير الهاوية، وكادت أن تغرق المدينة بأنهار من الدماء وتشعل مذابح طائفية، لولا تدخل الأمن وانتشاره بشكل كثيف في محاولة لضبط الأمور قدر المستطاع دون جدوى.
هل هو ضعف ثقة بالدولة، أم نهج؟
يمكن أن نفسر ما حدث بأنه ضعف ثقة المواطنين بالدولة الجديدة ومؤسساتها، مما جعل بعض الناس يضعون أنفسهم أوصياء على الدولة، جاهزون للتعبئة في أي لحظة، خوفا على المدينة والدولة حسب وجهة نظرهم؟
عندما يرى المواطن أن رئيس الجمهورية يوزع المناصب العليا في الدولة على أشقاءه وأقرباءه وأصدقاءه، فسيعتقد أنه أمام غنيمة حرب حصل عليها من النظام السابق، مزرعة هو شريك فيها، فيخاف عليها ولا يثق بأجهزة ومؤسسات الدولة، ويبدو هذا سبب انطلاق المئات من المسلحين المديين فرادى ومجموعات للدفاع عن المدينة، بعد ورود إشاعات بأن المدينة تتعرض لهجوم من الفلول.
لكن الأستاذ عزت بغدادي يرى عبر منشور طويل في صفحته على الفيسبوك بأن هذه الفوضى مفتعلة من قبل السلطة نفسها، فهي تستخدم خزان بشري في أطراف مهمشة، من العشوائيات، من الريف، من الشباب العاطلين عن العمل، فتعبئه وتستخدمه ضمن أجنداتها، وتتخلى عنهم حين تنتهي المهمة، كما حصل عند تعبئة حملة عسكرية باتجاه الساحل في آذار الماضي، حيث تم إرسال هذه المجاميع للقتال في تلك الجبهات دون هيكلية واضحة، وبلا أجر واضح، وبلا التزام مستقبلي من الدولة تجاههم، تبرير التعبئة بسيط وسهل كما يرى أ. بغدادي: كراهية طائفية، رعب من مجهول ..الخ.
من جهته يرى د. أحمد نذير الأتاسي في منشور آخر على صفحته في فيسبوك أن ما يحدث هو “القمع بالغوغاء” حسب وصفه، مفسرا بأن السلطة الحاكمة لا تتدخل مباشرة بأدواتها القمعية المؤسساتية، لكنها تفسح المجال مع إشارات تشجيع للغوغاء أن يقوموا بالضرب والقتل والاختطاف لتحييد المعارضين.
من جهتي لدي الكثير من الاستفسارات التي لم أحصل عليها من السلطات الرسمية، كيف وصل السلاح إلى هذا الضابط علما بأن المنطقة تم تفتيشها وتمشيطها عدة مرات، من الذي سيتحمل مسؤولية استشهاد أبو بشار الخال؟
ما يزال الغموض يلف الجهة المسؤولة عن عمليات الخطف والقتل. ورغم علمي بأن السلطة المحلية بحمص تبذل جهودا للعثور على المخطوفين، وقد أعادت أحدهم إلى ذويه برفقة دورية حراسة، إلا أن وقائع أخرى تثير القلق، فبعض المختطفين، الذين قال – إعلام الفلول – أنهم قتلوا، تبيّن لاحقًا أنهم محتجزون لدى الأمن العام.
هذا يفتح باب التساؤلات: لماذا لا يُبلغ أهالي المعتقلين فور احتجازهم؟ ما مدى التزام الأمن العام بالقانون والإجراءات السليمة؟ والأهم: هل سنشهد محاسبة عادلة لأي جهة أو أفراد تورطوا في عمليات خطف أو قتل خارج إطار القانون؟
أخيرا أختم بالتوجه نحو الشعب
إذا كنا نحرص حقا على حماية الدولة، فلنعد السلاح إلى مؤسساتها، ولندع مسؤولية الأمن لها دون أن نصادر دورها أو نرتكب أعمالاً “فردية” خارجة عن القانون.
فـمن يقتل اليوم بدافع طائفي، قد يقتل غدا بدافع سياسي أو شخصي، فالاستقواء بالسلاح أصبح ظاهرة خطيرة في حمص، وظهرت حوادث كثيرة تثبت لجوء البعض إلى السلاح لحل خلافات بسيطة.
كما أن استمرار الفوضى وغياب السيطرة المؤسسية يفتح المجال لتدخلات خارجية خطيرة، حيث تشير تقارير دولية حديثة إلى أن جهات مرتبطة بإيران تسعى إلى تأجيج الفوضى في سوريا، عبر مجموعات تقوم بتنفيذ عمليات انتقامية، تزيد الانقسامات، وتدمر ما تبقى من السلم الأهلي. إن السماح بالقتل الفردي والأعمال الانتقامية لا يخدم إلا أعداء الشعب السوري، ويحقق أهدافهم في زرع الفوضى، وتعطيل قيام دولة القانون.
استمرار هذه الفوضى لا يدمر فقط ما بقي من إنسانيتنا، بل يشوه صورة الثورة، ويلغي مظلومية المضطهدين، ويُعيد إنتاج الإجرام بطريقة جديدة تدفن جرائم الأسد القديمة، وتظهر الجرائم الحديثة.
لقد سئمنا الموت والدمار والفوضى… آن لنا أن نتذوق طعم العدالة، لا انتقاما، بل تحقيقا لحقنا في دولة جديدة مختلفة عن دولة الأسد.
Social Links: