فرح العاقل
شهدت محافظة السويداء في مطلع أيار 2025 انفجاراً دموياً، جاء نتيجة مباشرة لتصعيد ممنهج في الخطاب الإعلامي والسياسي تجاه المحافظة وأبنائها. هذا التصعيد لم يكن وليد اللحظة، بل نتاج شهور من التحريض الطائفي والإشاعات المغرضة، التي رُوّجت عبر منصات رقمية ووسائل إعلام مقربة من الإدارة السورية الجديدة.
ـ حملة تحريض متصاعدة
منذ أواخر عام 2024، ومع تنامي الحراك المدني في السويداء الذي طالب بالإصلاحات، ازدادت حدة الخطاب العدائي الصادر عن شخصيات إعلامية وسياسية محسوبة على الإدارة الجديدة. اتُّهِم أبناء المحافظة بالخروج عن “الشرعية”، وروّجت صفحات موالية لخطاب يصف الحراك بـ”التمرد”، فيما لم يخلُ هذا الخطاب من إيحاءات طائفية مباشرة استهدفت المكوّن الدرزي في المحافظة، وشكّكت بوطنية أبنائه.
ـ الإشاعات كسلاح سياسي
إلى جانب الخطاب العلني، لعبت الإشاعات دورًا خطيرًا في تأجيج التوتر. فقد انتشرت على مدار الأشهر الماضية عشرات الروايات المفبركة عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها يرتبط مباشرة بجهات أمنية أو إعلامية قريبة من الإدارة الجديدة.
الإشاعات انقسمت إلى ثلاث اتجاهات رئيسية:
ـ تشويه الحراك الشعبي: زُعِم أن الحراك في السويداء تحرّكه “جهات أجنبية” تموّله وتوجهه، في محاولة لنزع الشرعية عن مطالبه المدنية والوطنية.
ـ التحريض الطائفي: رُوّجت سرديات تتحدث عن نوايا “انفصالية” لدى أبناء الطائفة الدرزية، واتُّهِمت السويداء بالخيانة والعمالة لإسرائيل، في محاولة لتأليب الشارع السوري ضد المحافظة.
ـ زرع الخوف داخلياً: نُشرت إشاعات عن صدامات داخلية وحالات انشقاق وشقاق بين فصائل المحافظة، في سعي واضح لخلق الفوضى وإضعاف التماسك المجتمعي.
ـ انفجار أيار: النتيجة المتوقعة
جاءت أحداث مطلع أيار حيث اندلعت اشتباكات بين مجموعات محلية وفصائل تكفيرية وصفتها الإدارة السورية الجديدة “بفصائل منفلتة خارجة عن القانون”، إلّا أنها كانت مدعومة من قواتها بحسب الڤيديوهات المتداولة من عناصر هذه الفصائل أنفسهم، جاءت كدليل على أن التحريض الإعلامي والسياسي لم يكن عبثياً، بل هدفه إضعاف السويداء وشيطنتها تمهيداً لتبرير القمع.
خلّفت الاشتباكات نزوحاً للسكان، خسارةً بالأرواح وضرراً بالممتلكات التي نُهبت وأُحرقت في قرية الصّورة الكبرى في السويداء التي تمت مهاجمتها من قبل الجماعات التكفيرية ووصلت حدّ إحراق مقام ديني يحوي بداخله نسخة من القرآن الكريم، لكنها أيضاً أكّدت أن خطاب الكراهية يمكن أن يترجم مباشرة إلى عنف على الأرض يُجابه بوقوف أبناء البلد الواحد صفاً واحداً لمواجهة الهجوم البرّي والإعلامي.
ـ إعلام مستقل ووعي مجتمعي في المواجهة
رغم كل محاولات التشويه وتقديم حقائق منقوصة وكاذبة، والتي تبنتها محطات ومنصات إعلامية وإعلاميون معروفون بمحاباتهم للإدارة الجديدة، وعلى كافة معرفات السوشال ميديا، لم تقف السويداء مكتوفة الأيدي حيث لعبت الشبكات الإخبارية المحلية والإعلاميون المستقلون ونشطاء المجتمع المدني والمحلي وحتى المواطنون العاديون، لعبوا دوراً محورياً في التصدي للإشاعات وتفنيدها وتكذيبها بعيداً عن خطاب الكراهية والتحريض الطائفي المقيت إضافةً إلى أرشفتها للتوجه لاحقاً إلى القضاء لمحاسبة المحرّضين، وتوثيق الوقائع كما حدثت على الأرض وتقديم سردية منضبطة ترفض الطائفية، وتُعيد التأكيد على وطنية السويداء وسلميتها.
وانتشرت آلاف المنشورات تحت وسم #السويداء هدفت إلى كسر العزلة المفروضة على المحافظة، والتأكيد على أن مطالب أهلها لا تختلف عن مطالب السوريين عمومًا، الكرامة، والعدالة، وحرية القرار.
ـ خاتمة: معركة الوعي مستمرة
إن ما جرى في السويداء لم يكن سوى نموذج مصغّر لطريقة تعامل بعض مراكز القرار في الإدارة السورية الجديدة مع أي صوت مستقل أو معارض. الإشاعة، التخوين، التحريض الطائفي، ثم القمع…
حلقة مألوفة في المشهد السوري، وإنْ تغيّرت الشعارات.
وربما تكون التجربة التي خاضتها السويداء في الأشهر الماضية، نموذجاً لسوريا بأسرها في معركتها المقبلة مع الاستبداد وخطاب الانقسام.
ما يُحسب لأهالي السويداء اليوم هو وعيهم الجماعي، وقدرتهم على التماسك في وجه محاولات العزل والتهديد. لقد واجهوا الطائفية بالتضامن، والإشاعة بالحقائق، والتهديد بالسلم الأهلي، ليؤكّدوا أن مستقبل سوريا لا يُبنى بالكراهية، بل بالعدالة والمساواة.

Social Links: