السويداء بعد الأسد، بين الفوضى السياسية وغياب المرجعية الوطنية

السويداء بعد الأسد، بين الفوضى السياسية وغياب المرجعية الوطنية

فرح العاقل

السويداء – مضت ستة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد، لكن الطريق نحو الاستقرار ما زال بعيد المنال في محافظة السويداء. تقف المحافظة، التي لطالما اتسمت بخصوصيتها الطائفية والاجتماعية وسلميتها وحيادها عن إراقة الدم السوري، عند مفترق طرق تاريخي، وسط فراغ سياسي عميق وتعقيدات أمنية غير مسبوقة في تاريخها الحديث.

من السلطة المركزية إلى الحكم المحلي… انتقال لم يكتمل

مع انهيار بنية الدولة المركزية، خرجت مؤسسات النظام بشكل شبه كامل من السويداء. لم يشهد هذا الخروج مقاومة تُذكر من السكان، الذين كانوا قد دخلوا في حالة قطيعة سياسية مع دمشق منذ سنوات، نتيجة التهميش والتجاهل والضغوط الأمنية ورفض حكم آل الأسد. لكن غياب الدولة لم يُقابل حتى الآن بظهور بديل واضح المعالم. فالمبادرات المحلية التي ظهرت – سواء من بعض الوجهاء أو الفصائل المجتمعية – ما زالت محصورة في نطاق ضيق، وتفتقر إلى البنية المؤسسية والخبرات الإدارية، بل وتُواجه أحياناً رفضاً من شرائح اجتماعية تتخوّف من احتكار القرار المحلي دون توافق واسع.

تخوين الداخل وتمجيد السلطة السابقة

في خضم هذا الواقع، لا تزال بعض الخطابات المحلية تكرّر سرديات النظام السابق. إذ يُروَّج لبعض الشخصيات باعتبارها رموز “الحكمة والاعتدال”، مقابل شيطنة أي تحرك شعبي يُصنَّف كتهديد للاستقرار أو كامتداد “للإرهاب”. يُقدَّم “المحافظ” بوصفه واجهة مدنية “تُقارن” بعشوائية الحراك، بينما تُتّهم الشخصيات المدنية والاجتماعية المستقلة بأنها تأخذ المحافظة إلى الفوضى.

المرجعيات الدينية، مثل الشيخ حكمت الهجري، تم استدراجها إلى صراع سياسي معقّد لا يمكن تأكيد أو نفي تفاصيله نظراً لتضاري المعلومات والروايات وعدم القدرة للوصول إلى مصادر موثوقة. وعندما فشل الهجري سياسيًا، لجأ إلى استعادة رمزيته الروحية، ما دفع مؤيديه إلى اتهام أي انتقاد له بأنه مسّ بالطائفة بأكملها، الأمر الذي ساهم في تعقيد المشهد وزيادة الاستقطاب.

تعدد الفصائل واختلاف الرؤى

لا يمكن الحديث عن مركز قرار موحّد في السويداء اليوم. فالمشهد يضم خليطاً من الفصائل، بعضها نشأ في ظل الفوضى، وبعضها الآخر ينتمي إلى فلول قوات النظام أو ميليشياته. كما أعلنت بعض الفصائل استعدادها للانضمام إلى جيش وطني سوري جديد، بينما يتمسّك آخرون بخيارات مناطقية أو حتى انفصالية. هذا التعدد لا يقتصر على البنية العسكرية، بل يتجاوزها إلى تباينات سياسية وأيديولوجية عميقة.

البعض يطالب بالحكم الذاتي داخل الدولة السورية، وآخرون يصرّون على مشروع وطني جامع، فيما تلتزم فئات أخرى الصمت، بانتظار مآلات المشهد السياسي العام.

المجتمع المدني: يقظة بلا أدوات

رغم حالة الفوضى، لم تغب محاولات المجتمع المدني، نشطاء، محامون، نساء قياديات، وشباب خرجوا من رحم الاحتجاجات السلمية – يعملون على إطلاق مبادرات للحوار المجتمعي، وتوحيد الصف، وورش تفكير سياسي لتقريب وجهات النظر والوصول إلى رؤية جامعة.
لكن هذه الجهود ما زالت تصطدم بعقبات كبيرة، مثل ضعف التمويل، وغياب التنسيق، والخوف من استغلالها من قبل أطراف مسلّحة أو جهات خارجية. كما يعاني الفاعلون المدنيون من ضغوط اجتماعية وسياسية تحول دون اتخاذ مواقف حاسمة.

ضعف الجبهة الموحدة وفوضى السلاح

رغم وجود العديد من القوى السياسية والمدنية، فإنها فشلت في تشكيل جبهة موحّدة قادرة على فرض توازن جديد في مواجهة الميليشيات، سواء تلك التي تمثل بقايا النظام وأعادت إنتاج نفسها تحت مسميات وذرائع مختلفة وتسعى لفرض نفسها بالقوة والترهيب أو الفصائل التي تمثل صوت الاعتدال وتجنح للانخراط بجيش سوري وطني حقيقي لا يشبه الجيش الوطني الذي شكلته تركيا قبل سقوط الأسد. كل هذا الانقسام الداخلي، وتضارب الأجندات، وتردّد بعض النخب، ساهم في تفكيك أي محاولة جدّية لتوليد قيادة محلية تحظى بشرعية واسعة، وتتمكّن من التفاوض على مستقبل المحافظة ضمن الإطار السوري العام.

الشارع، تعب سياسي وخوف من القادم

يتسم الشارع في السويداء اليوم بمزيج من التعب السياسي والخوف من المستقبل. هناك وعي متزايد بضرورة تضافر الجهود لعودة عجلة الحياة إلى العمل، لكن هناك أيضًا خشية من أن يتحوّل الحراك إلى صراعات داخلية، أو أن يُستدرج إلى منطق الميليشيات.
ورغم دعوات البعض للحكم الذاتي أو الفيدرالية، فإن المزاج العام لا يزال متمسكاً بهوية وطنية سورية، شريطة أن تُبنى على عقد جديد يعترف بخصوصيات مكونات البلاد ويضمن الشراكة الحقيقية في القرار، في دولة مدنية تضمن الحقوق والحريات وتكسر احتكار السلطة والثروة.

خطاب “الإرهاب”: شماعة السلطة القديمة واللاعبين الجدد

تُستخدم سردية “الإرهاب” من جديد – ليس فقط من بقايا النظام، بل أيضًا من بعض القوى المحلية – لتبرير حالة الاستعصاء السياسي وإثارة الخوف لدى السكان. هذه اللغة، التي استخدمها النظام طوال سنوات الثورة، تجد اليوم من يُعيد إنتاجها بمفردات محلية، تُخيف الناس من بعضهم البعض ومن الآخر المختلف، وتُفرغ كل محاولات كسر العزلة والجمود من مضمونها.
في الوقت ذاته، لم تكن السلطة السابقة بعيدة عن استخدام العنف أو التساهل معه، ما يُسقط عنها ادعاءات “الحياد” ويكشف كيف كانت تصنع أعداءها لتبرير استمرارها.

الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد

ما تعيشه السويداء ليس أزمة محلية فقط، بل هو مرآة لسوريا بأكملها. المحافظة اليوم، كما سوريا، بحاجة إلى خارطة طريق تبدأ بتوافق داخلي واسع، تُعيد الاعتبار لإرادة الناس، وتفتح الباب أمام بناء مؤسسات مدنية تحظى بالشرعية.

الفراغ الحالي لا يمكن أن يستمر دون أن يولّد أشكالًا جديدة من الصراع أو الاستقطاب، ما لم يُملأ بمشروع وطني جامع، يضع السويداء والسوريين على طريق العدالة والحرية والشراكة الحقيقية في الوطن.

  • Social Links:

Leave a Reply