عبد الكريم خشفة
الجزأ الثاني من قصتي دحدوح الحكيم.
لم يكن دحدوح صديقي فقط، بل كان نُصفَ القلب الذي لم يغادر المدينة حتى بعد أن غادرناها.
كان قصير القامة، ممتلئ الجسد كأنه خُلق من طين الأفران القديمة، وعيناه الواسعتان تحملان ألف حكاية لم تُروَ بعد. شعره كثيف، ملتف كدواليب الحنطة، وفمه دائم الانعكاف كأنه يهمس بسرّ لا يريد لأحد أن يسمعه.
كبرنا في مدينةٍ تتدلّى من جبالها شرفات البنفسج، وتلوّح نخيلها للريح كأمهاتٍ ينتظرن الغائبين. كانت الشوارع تُعبق برائحة الخبز الساخن وأحاديث العجائز عند الأبواب.
نلعب في الحارات بين صدى الأذان، ونركض خلف سيارات البوظة التي تعزف ألحانها كأنها ترتّل للطفولة.
ثم جاء اليوم الذي صمت فيه كل شيء.
أُقفلت الأبواب، غابت رائحة الخبز، وتوقفت العصافير عن النشيد.
صرنا نحمل حقيبة وأماً تبكي، ونقف في آخر نظرة نحو المدينة — دحدوح كان يصرّ على ألا يبكي، لكني رأيت الدمع محاصرًا في عينيه، كأنه لاجئ هو الآخر.
في أطراف المخيم، حيث بيوت الصفيح، والنوافذ تطلّ على غبار وليس على أشجار، كبرنا من جديد.
لم تعد هناك زغاليل، ولا دحل، فقط تراب وأمنيات.
وفي عصرٍ رمادي، جلسنا أنا ودحدوح على تلة صغيرة، نحدق نحو الغرب حيث تغرب شمس مدينتنا القديمة، فقال دون أن ينظر إلي:
“هل تعلم… سأحرر مدينتنا.”
ضحكت، ظننتها نكتة، لكنه كان جادًا.
“سأبني جيشًا لا يُقهر… من الأطفال الذين فقدوا ألعابهم، من الأمهات اللواتي لم يعد لهن خبز، ومن أغاني المهد التي لم تُغنَّ.”
قلت له: “كيف يا دحدوح؟ نحن بلا سلاح… بلا أرض نقف عليها حتى.”
أجابني بصوته الخفيض الذي يشبه ارتجاف الشموع:
“لدينا الحنين، والحنين أقوى من كل الجيوش.”
ثم رسم بإصبعه خريطة على التراب، وضع الحصى حول دائرة وقال:
“هؤلاء نحن… قلوب من حجر ولكنها تحنّ.”
ثم جمع قطعًا من الخشب المحترق وقال:
“هؤلاء هم الذين سرقوا مدينتنا… هشّون، يحترقون بسهولة.”
تأملت فيه، في جبهته التي علاها الغبار بدل العرق، وفي يديه التي كانت تحمل الدحل واليوم تحمل خرائط الحنين،
ثم سألته: “وماذا بعد يا دحدوح؟”
قال:
“سنعود… نمشي حفاة بين أنقاض المدينة، نزرع الورد في الثقوب التي خلّفتها القذائف، ونرسم على الجدران: هنا مرّ الأطفال، وهنا ضحكوا.”
صمتنا.
ثم ابتسم دحدوح تلك الابتسامة التي أعرفها جيدًا — ابتسامة البدايات.
كان الغروب قد غلّف وجهه بلون الذهب المحروق، والريح تعبث بشعره كما كانت تفعل حين كنا نركض في شوارع المدينة.
قال لي بصوت لا يشبه صوته:
“حين نعود… لا نريد الانتقام، بل نريد أن نحمل الشمس إلى الأزقة، ونوزع الظلال على من بقي في الانتظار.”
ثم أضاف وهو ينهض من على التلة:
“الوطن لا يُستعاد بالحقد… بل بقلوب تحفظ الوجع دون أن تنكسر.”
نظرت خلفه، إلى خطى قدميه في التراب، كأنها تمهّد طريقًا لجيش خفيّ… جيش من الحالمين، من اليتامى، من المنفيين الذين ما زالوا يحفظون أسماء أزقتهم عن ظهر قلب.
حينها أدركت أن دحدوح لم يكن يحلم فقط…
كان يخطط لعودةٍ،
تليق بالأرض التي ربّت قلوبنا،
وللسماء التي لم تنسَ ضحكاتنا.

Social Links: