مطيع اتاسي

في الثامن من ديسمبر 2024، شهدت سوريا لحظة فارقة في تاريخها الحديث، مع خروج بشار الأسد من المشهد السياسي، بعد أكثر من عقدين من الحكم. لم يكن هذا الحدث عادياً، بل شكّل نقطة تحول في توازنات القوى داخل سوريا والمنطقة، خصوصاً في ظل الدور المحوري الذي لعبته دمشق في محور المقاومة الممتد من طهران إلى بيروت. صعود أحمد الشرع، المعروف باسم “الجولاني”، إلى سدة الحكم بدعم إقليمي ودولي، ولقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، شكّل عنواناً لمرحلة سياسية جديدة تسعى لإعادة رسم المشهد السوري وفق رؤية تتجاوز منطق الصراع نحو احتمالات الحل السياسي.
التحول الأميركي: من إدارة الأزمة إلى تفكيكها
يُظهر التعامل الأميركي مع الملف السوري تحت إدارة دونالد ترامب اختلافاً جذرياً عن نهج إدارة باراك أوباما. فبينما اختار أوباما التفاوض والاحتواء، انطلق ترامب من مبدأ “الضغط الأقصى” على إيران، واعتبر أن إسقاط بشار الأسد خطوة استراتيجية لقصم ظهر النفوذ الإيراني في المشرق العربي. تمزيق الاتفاق النووي عام 2018 كان نقطة البداية، تبعها تركيز ممنهج على “قطع أذرع إيران” في المنطقة، بدءاً من العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان واليمن.
في هذا السياق، لم تكن الإطاحة بالأسد مجرد تطور محلي، بل جزء من إعادة صياغة خارطة القوى الإقليمية، وتهيئة الظروف لمرحلة ما بعد النفوذ الإيراني. لقاء الجولاني بترامب بدا وكأنه إشارة لانقلاب في المشهد السوري، حيث لم يعد الدعم الإيراني ضامناً للبقاء، ولم تعد الشرعية تُمنح فقط عبر التحالفات الخارجية.
هشاشة الشرعية المستوردة: دروس الماضي والحاضر
لقد أثبتت التجارب في المنطقة أن الرهان على الدعم الخارجي كوسيلة للبقاء في الحكم هو خيار هش، سريع التبدل، وخاضع لحسابات المصالح الدولية المتقلبة. فالتحالفات لا تُبنى على الولاء بل على المنفعة، وإذا ما تبدلت المصالح، تُسحب الشرعية تماماً كما تُمنح.
على الرئيس السوري الجديد أن يدرك أن الصراع في المنطقة لم ينتهِ، بل هو في طور التبدل. فالمشهد الجيوسياسي لا يزال مضطرباً، والنفوذ يتوزع بين قوى دولية كبرى وقوى إقليمية صاعدة. وهذا يعني أن التحولات الجذرية ممكنة في أي لحظة، وأن الاستقرار لا يمكن تحقيقه بالرهان على عامل خارجي، بل بتعزيز الداخل الوطني.
المصالحة الوطنية كطريق وحيد إلى المستقبل
منذ تأسيس الجمهورية السورية الحديثة، لم تُنجز تسوية سياسية شاملة تحقن الدماء وتؤسس لدولة لكل مواطنيها. ومع سقوط نظام الأسد، فإن الفرصة التاريخية لإنجاز مصالحة وطنية شاملة باتت متاحة أكثر من أي وقت مضى. مصالحة لا تقتصر على القوى المسلحة والسياسية، بل تمتد إلى القواعد الشعبية المتضررة من سنوات الحرب والدمار.
إن العودة إلى السياسة بوصفها وسيلة إدارة الخلاف، لا وسيلة للغلبة، تُعد الخيار الوحيد لضمان استقرار مستدام. وعلى القيادة الجديدة أن تفتح المجال أمام القوى السياسية والمدنية، وأن تبني مشروعاً وطنياً جامعاً يحفظ وحدة البلاد ويضمن تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع لا عبر فوهات البنادق.
خاتمة: بين التحول والاختبار
تشهد سوريا اليوم انتقالاً معقداً من مرحلة التسلط إلى احتمال بناء دولة سياسية جديدة. لكن هذا الانتقال محفوف بالمخاطر والتحديات، وعلى رأسها الحفاظ على السيادة ومنع التفكك، والقدرة على إعادة بناء عقد اجتماعي جديد. المستقبل مفتوح، لكنه يتطلب شجاعة سياسية، وواقعية استراتيجية، وفهماً عميقاً لدرس العقد الماضي: لا شرعية بدون شعب، ولا استقرار دون مصالحة وطنية حقيقية.
Social Links: