د منذر ابو مروان اسبر
اذا كانت الراسمالية لم تستطع حل ازمتها مع الشيوعية ، فإن الحرب الباردة قد اجبرتها على شحذ حججها وذلك باعادة صياغة التضاد معها لصالحها ، كيف؟ بطرح النزاع لا على انه تعارض بين الراسمالية والاشتراكية وانما بين الديمقراطية والتوليتارية.
هذا الانشاء الماكر وإن كان يعطي للغرب الأطلسي ورقة لصالحه بالعلاقة مع الستالينية، إنما هو انشاء تجريدي يحاول باستخدامه اخفاء العديد من الديكتاتوريات العسكرية والبوليسية فيه ودعمها .
وفي المواجهة بين الكتل ، يتبدى الخطاب الديمقراطي أقل قيمة في البلدان الراسمالية المتقدمة ذات السكان المقتنعين بتفوق شروطهم الحياتية . كما أن تأثيره ولاسباب واضحة هو اقل اهمية في العالم الذي كان منذ فترة بسيطة يعيش تحت النير الاستعماري لهذه الدول .
.
وبدون شك ساهمت برامج الراديو الأوروبي أو راديو الحرية ؛ في انتصار الغرب .
والسبب الرئيس لهذا الانتصار يكمن في الجاذبية التي لايمكن مقاومتها لاستهلاك السلع المادية لدى الجماهير المعوزة، وربما اكثر عند النخب البيروقراطية..وبتعبير آخر فإن (العالم الحر) “مدين اكثر في انتصاره إلى الرغبة الجامحة في التسلع البضاعي”
ومع نهاية الحرب الباردة فإن الرأسمالية تطرح نفسها مرحلة أخيرة للتطور الاجتماعي و”أصبحت السوق الحرة الأفق الذي لايمكن تجاوزه ،فبدونه لايوجد من تحسين فعلي من لاباز إلى بكين ومن أوكلاند إلى دلهي ومن موسكو إلى بروتوريا، بينما المعجبون في منظريه ، نقصد فريدريك هايك أو ميلتون فريدمان يتأبطون حقائب الوزارات المالية ” .
أما التطور الثاني الاكثر أهمية في هذه المعسكر فهو معركة حقوق الإنسان تحت ضغوط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي .
وإذا كان الليبراليون ضد التدخل الاقتصادي حتى لو كان لأسباب توزيعية عادلة ، فإنهم يرفعون التدخل العسكري كما حدث في الخليج ، التدخل الذي كان استجابة للمصالح البترولية الغربية …وأدت تبعاته إلى إقامة نظام دولي جديد يستظل القوة العسكرية الأمريكية .
كما أن الحصار الذي فرض بعدها على العراق وتوسيع القصف العسكري عليه مع كلينتون وبلير لم يكن عملية “إنسانية ” وانما عقابا لشعب بأسره .
واخيرا فان إطلاق حرب شاملة على البلقان وقصف يوغسلافيا قد تم دون موافقة مجلس الأمن الذي أصبح واجهة للحلف الاطلسي.
هكذا “فباسم الحقوق الإنسانية يتم تقرير أن الحق الدولي فوق سيادة سيادة الدول الصغيرة التي أغضبت واشنطن أو بروكسل ” .
ان الليبرالية الجديدة التي تكرست بقوة تكاد لاتعرف حدود لها واكثرية حكومات نصف الكرة الأرضية تخضع ـ مهما كان لونها السياسي ـ للحصارات أو الاحتلالات أو التدخلات العسكرية .
ويسوق اندرسون مثالا “الديمقراطيات ـ الاشتراكية التي كانت تتميز ببعض الاستقلالية في سياساتها الخارجية وتتصرف اليوم في خدمة المقتنصين الغربيين . وفي هذا السياق فإن النروج قد ختمت بشمعها السيطرة الاسرائيلية على فلسطين بينما سهلت فنلندة القصف الاطلسي عل يوغسلافيا … والتحقت كل بلدان اسكندينافيا بركب الرهط المسعورفي اوكرانيا”
ما الذي يستخلصه اليسار ؟
يطرح اندرسون خاتمة السؤال حول مايستخلصه اليسار من هذا التاريخ ؟
يجيب قائلا : قبل كل شئ قوة الافكار ، عندما يتعلق الأمر بفعل سياسي وبتغبير تاريخي كما الأمربالنسبة
للأيديولوجيات الكبرى الانوارية والماركسية والليبرالية ، وهذا يعني وجود منظومة من الأفكار خارج محيطها السياسي بل وبالتعارض معه ودون أمل أن تمارس تأثيرا خلال فترة قصيرة عليه ، إلا أنها بفضل أزمة جسيمة تكتسب قوة لايمكن قمعها أو احتوائها متحولة بذلك إلى أيديولوجيا تعبوية تمارس فاعلية مباشرة .
واليوم فإن أوسع مناطق المعمورة تقع تحت سيطرة أيديولوجية أحادية . غير أن التمردات والمقاومات بعيدة عن أن تكون مهزومة وان كانت متفرقة ومبعثرة .
بهذا فإن النضال -وسيكون طويلاـ يجب ان يمر بتحليل صارم بل ويقض مضجع الواقع وذلك على عكس التصريحات المتغطرسة اليمينية والرجعية والسرديات التقليدية المحافظة . لانه بدون الاصطدام مع العالم فإن الأفكار لاحظ لها في زحزحته وزلزلته .
ــــــــــــــــــ
من مؤلفات بيري اندرسون :
ـ دولة الشرق الاستبدادية
ـ معيار التحضر أو كيف ينشر الغرب توسعه الاستعماري
-العالم القديم ـ الجديد
ـ الماركسية الغربية
ـ حول انطونيو غرامشي .
Social Links: