منار الشعار
نحن لا نخاف من التخلف… نحن نخاف من ال حداثة
الحداثة ليست هاتفًا ذكيًا ولا آلة مستوردة.
الحداثة هي تحول جذري في طريقة التفكير ونمط العيش.
قال ماكس فيبر: الحداثة هي نزع السحر عن العالم.
أي أن نفهم الطبيعة والمجتمع والسياسة والدين بالعقل لا بالخرافة، وبالعلم لا بالأسطورة، وبالنقد لا بالتقديس.
في زمن ما قبل الحداثة، كانت القيم ثابتة، والتقاليد مقدسة، والدين هو التفسير النهائي لكل شيء.
أما الحداثة، فهي تقول: لا شيء ثابت سوى التغير.
وقد تجلّى هذا التحول الجذري في خمس عمليات كبرى لنزع السحر:
- نزع القداسة عن القبيلة: بظهور الفردانية، لم يعد الإنسان مجرد تابع لعشيرته، بل أصبح كائنًا حرًا مستقلًا في قراراته وحقوقه.
- نزع القداسة عن الحاكم: مع الديمقراطية، سقطت شرعية الحاكم الإلهي أو الوراثي، وأصبحت السلطة عقدًا مدنيًا بين المواطنين.
- نزع القداسة عن السلطة الدينية: ظهرت العلمانية لتفصل بين سلطة النص وسلطة العقل، فصار الدين تجربة روحية لا أداة قهر سياسي.
- نزع القداسة عن الطبيعة: بالعلم والتفكير المنهجي، صارت الطبيعة موضوعًا للفهم والتفسير والتسخير، لا مجالًا للغيب والخوف.
- نزع القداسة عن الماضي: لم يعد الماضي زمنًا ذهبيًا، بل عبئًا يجب تجاوزه بالتقدم والإبداع لا بالتقليد والنوستالجيا.
لكننا، بدل أن نواجه التخلف، نتصالح معه…
نتقبله بكل كوارثه، بينما نخاف الحداثة بكل قيمها.
نخوض معارك ضد الحرية لأنها مربكة،
ونخاف الديمقراطية لأنها تُسائل،
ونُشيطن العلمانية لأنها تفضح تحالف الدين مع السلطة،
ونرفض العلم لأنه يكشف عورات الخرافة،
ونتمسك بالماضي لأنه يوفر لنا هوية جاهزة بدون عناء نقد أو مراجعة.
مشكلتنا ليست في التخلف بل في قابلية التخلف،
وليست في جهلنا بل في استمرائنا للجهل،
وليست في أزماتنا بل في خوفنا من حلولها.
الثقافة الأوروبية لم تكن بلا خطايا، لكنها كانت نقدية وحيوية.
نقدت نفسها، ثم نقدت نقدها، ثم نقدت نقد النقد.
فخرجت من ظلمات الاستبداد والبطركية والحق الإلهي، إلى فضاء الحرية والعدالة والكرامة.
أما نحن، فما زلنا نُقاتل لنُبقي الدين والتاريخ والماضي في المركز،
ونُقدّس كل ما هو متخلف حتى لو كان عائقًا أمام أي نهضة.
نحن نعيش في المكان ذاته، لكننا أسرى زمانٍ مختلف:
زمان الطاعة، لا النقد.
زمان الأسطورة، لا العقل.
زمان الزعيم، لا المواطن.
ولو أن الإسلاميين الأصوليين أنفقوا نصف ما يبذلونه في مهاجمة الحداثة، في التفكير بكيفية تقديم الإسلام بروحٍ إنسانية معاصرة،
لكانوا فتحوا أبوابًا للتجديد بدلًا من خنادق للرفض والتكفير.
لكنهم لم يقدموا الإسلام… بل قدموا رد فعلٍ هستيريًا على كل ما هو حديث.
نحن لا نزال نعيش في عالمٍ مسحور، نرفض نزع السحر عنه.
وهنا يكمن جوهر المأساة.
عن موفق زريق

Social Links: