قوس الوعد… وعار النسيان

قوس الوعد… وعار النسيان

بقلم: فاطمة سليمان محمد

قوس حاجب لم يكن خشبًا مقوسًا ولا وترًا مشدودًا فحسب، بل كان شرفًا معقودًا على نَصل الكلمة، وعهدًا لا تُكسره الرياح ولا تُنقضه الأيام. قَدَّمهُ فارسٌ عربيٌّ رهينةً لملكٍ لا يعرف صحراء العرب، لكنه أدرك من رماد الصدق في عيني حاجب أن العربي إذا وعد صدق، وإذا تعهد وفى.
كان ذلك زمنًا إذا قال العربي “أرهن قوسي”، فذلك يعني أن روحه قد أصبحت في كفك، لا يُخلف، لا يُغادر، لا يخون. كان الوفاء علامةُ الرجال، لا حاجة فيه لشهادة، ولا ختمٍ على ورقة.
أما اليوم…
تشققت الأرض من صمت الوعود، وذبل وجه العرب من جوع الصبر. خرج اللاجئ من داره يحمل قوسًا من وجع، يبحث عن مأوى فلم يجد سوى جدرانٍ مائلة، وقلوبٍ أكثر ميلًا. بقي من بقي في وطنه لا يحمل سوى خبز الأمس وذكرى جارٍ كان. جاع حتى الجدار، وتحولت الجمعيات إلى حوانيت تُساوم على الكرامة، وتُتاجر بالحاجة، وترفع شعار العطاء على أنقاض من استُغل.
الوعد؟
نسيه من لم يعرف يومًا معنى القوس. نسوه في قصور القرار، وفي مؤتمرات الشفقة الباردة. وأما الوفاء، فبات طائرًا مهاجرًا لا يعرف خرائطنا.
الوطن العربي… يا أرضًا ولدتك الفصاحة، ماذا فعلوا بك؟
أين قوس حاجبك؟ أين من يضع روحه رهينةً لكِ، لا طلبًا لمال ولا جاه، بل وفاءً لكِ حين تعجزين؟ أين من إذا قال صدق، وإذا عاهد لم يرتجف؟
ليت كسرى بيننا، ليقول لبعض العرب اليوم:
“قوسه شرفه”،
فنحن بحاجة إلى من يستحي من وعدٍ لا يُنفذ، أكثر من حاجتنا إلى من يتبجّح ببطولةٍ على شاشةٍ أو تحت منصة.
الوطن لا يبنيه إلا من يفهم أن الكلمة مسؤولية، وأن الوعد دين، وأن من خان المحتاج، خان الأرض التي يمشي عليها.
فلنبحث عن قوسٍ فينا… لا نرهنه، بل نعلّقه أمام أرواحنا، كي لا ننسى من نحن.

  • Social Links:

Leave a Reply