احمد الحمود
في مشهد يفيض بالمفارقة، يعبّر بعض العرب { عبر وسائل التواصل أو المجالس الخاصة } عن فرحهم كلما وجّهت إسرائيل ضربة عسكرية إلى إيران، خاصة حين تستهدف مواقع نووية، أو تسفر عن مقتل علماء أو قادة عسكريين في الحرس الثوري. للوهلة الأولى، يبدو هذا الموقف مستغرباً، لا سيّما حين يصدر من أبناء شعوب تعتبر إسرائيل، تاريخياً، العدو الأول والأخطر.
فما الذي يدفع البعض إلى هذا الشعور؟! وما الذي يكمن خلف هذا الاصطفاف العاطفي؟!
لفهم هذا الموقف، لا بدّ من العودة إلى جذور العلاقة العربية الإيرانية في العقود الأخيرة. فبالنسبة لكثير من العرب، لم تعد إيران دولة جارة فحسب، بل مشروعاً سياسياّ وعسكرياً توسعياً، يتغلغل في عدد من الدول العربية من خلال الميليشيات، ويدعم أنظمة أو جماعات على حساب استقرار المجتمعات. العراق وسوريا ولبنان واليمن، جميعها ساحات تأثّرت بشكل أو بآخر بتدخلات طهران، كما أن قضية إقليم الأحواز العربي المحتل تبقى جرحاً نازفاً يذكّر بكيفية تعاطي إيران مع القوميات غير الفارسية داخل حدودها.
من هذا المنطلق، يرى بعض العرب في إيران خطراً وجودياً لا يقل عن الخطر الإسرائيلي. وبناءً على منطق ” عدو عدوي صديقي “، يأتي الشعور بالارتياح ( وربما الشماتة ) عندما تُمنى إيران بخسارة أو ضربة موجعة، حتى وإن كانت على يد عدو تاريخي كإسرائيل.
لكن هذا المنطق، وإن بدا مفهوماً من منظور الغضب السياسي أو الإحباط الشعبي، يظل محفوفاً بالمخاطر.
فتبرير الضربات الإسرائيلية، مهما كان المستهدف، قد يؤدي إلى تسويغ أوسع لاستخدام القوة خارج القانون، ويُفرغ الموقف العربي من معناه الأخلاقي تجاه قضايا الاحتلال والعدالة.
الأخطر من ذلك أن هذا الفرح قد يُستخدم لاحقاً لتبرير التطبيع، أو التغاضي عن جرائم إسرائيل بحق الفلسطينيين، تحت ذريعة ” وجود عدو أشد “، وكأن الشعوب مطالبة باختيار من يظلمها على أساس الأقل ضرراً، لا على أساس الحق والكرامة.
إن الحروب بين القوى الإقليمية الكبرى، سواء بين إيران وإسرائيل، أو غيرهما، لا تخدم شعوب المنطقة بقدر ما ترسّخ منطق الهيمنة.
والدم المسفوك في تلك المواجهات، أكان إيرانياً أو فلسطينياً أو غير ذلك، لا ينبغي أن يكون محل شماتة، بل مدعاة للتفكر:
لماذا تحوّلت المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات؟!
وأين موقع الشعوب من كل ذلك؟!
الوعي هو ما تحتاجه الشعوب، لا الانجرار خلف العواطف المؤقتة. والعدالة لا تكون بالاصطفاف مع قوة ضد أخرى، بل بالتمسّك بالمبدأ:
لا احتلال يُبرَّر، ولا تدخل يُرحّب به، ولا دم يُفرَح بسفكه، أيّاً كانت راية صاحبه.
أحمد الحمّود

Social Links: