«صفقة الصمت»

«صفقة الصمت»

كريم الحاج


«صفقة الصمت»… ما الذي كسبته روسيا مقابل تغاضيها عن الضربة الأميركية لإيران؟

في مشهد يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، التزمت موسكو صمتا مريبا حيال الضربة الأميركية التي استهدفت منشآت نووية إيرانية. لا إدانة، ولا دعم، ولا حتى موقف رمادي في العلن. وحده الصمت الروسي ارتفع صداه، لكنه لم يكن حياديا بقدر ما كان موقفا محسوبا، يقرأ بين سطوره الكثير.

صمت مدفوع الثمن
مصادر دبلوماسية تشير إلى أن هذا الصمت لم يكن بلا مقابل، بل جاء ثمرة تفاهمات خلف الكواليس مع واشنطن، وفق منطق المصالح المتبادلة: أميركا تنفذ الضربة، وروسيا تغض النظر، مقابل مكاسب جيوسياسية واقتصادية في ملفات استراتيجية.

أولى مؤشرات هذه التفاهمات ظهرت في الملف الأوكراني. إذ يعتقد أن واشنطن خففت من وتيرة دعمها العسكري لكييف، أو أجلت تسليم أسلحة نوعية، ما أتاح لموسكو فرصة لإعادة ترتيب أوراقها ميدانيا وسياسيا. هذا الهدوء النسبي على الجبهة الأوكرانية قد يمهد لاحقا لتسوية جزئية أو تجميد للصراع.

على الساحة السورية، خرجت روسيا رابحة. فصمتها ترجم إلى ضمانات بعدم المساس بوجودها العسكري في حميميم وطرطوس، مع تعزيز دورها كمرجعية توازن في الساحل السوري. في المقابل، سمح بتقليص نفوذ إيران و”حزب الله”، أو على الأقل ضبط حركتهما ومنع أي تصعيد ضد إسرائيل انطلاقا من الأراضي السورية.

مزايا اقتصادية
اقتصاديا، يبدو أن روسيا نالت امتيازات عبر قنوات غير مباشرة، شملت تسهيلات في بيع النفط والغاز، وتخفيف الرقابة على قطاعات مصرفية ولوجستية، إضافة إلى مرونة أكبر في التعامل مع العقوبات المفروضة على الأسمدة والمنتجات الزراعية، وهي قطاعات تعد شريانا حيويا للاقتصاد الروسي.

الضربة الأميركية ألحقت ضررا بقدرة إيران على تصدير النفط، ما فسح المجال أمام موسكو لتعزيز حضورها في أسواق آسيا. هذا “الفراغ الإيراني” مكن روسيا من تحسين شروطها التصديرية وزيادة أرباحها من النفط في لحظة تحتاج فيها بشدة إلى العائدات.

لكن الرسالة لم توجه فقط إلى واشنطن. فصمت موسكو حمل أيضا إشارة سياسية لبكين، مفادها أن روسيا قادرة على اتخاذ قرارات تكتيكية بمعزل عن شراكاتها التقليدية. وهذا ما فسرته بعض العواصم الغربية بأنه تصدع ناعم في محور “موسكو–طهران–بكين”، وامتلاك روسيا لمرونة استراتيجية تخدم مصالحها أولا.

إيران بين الحليف والمنافس
رغم علاقتهما الوثيقة، لطالما شعرت روسيا بالقلق من التوسع الإيراني في سوريا والعراق ولبنان. ولذلك، لم تجد موسكو في الضربة الأميركية تهديدا، بل فرصة مواتية لكبح جماح طموحات طهران. فالصمت الروسي بدا أقرب إلى موافقة صامتة، إن لم يكن رضى غير معلن عن تقليم أظافر حليف مزعج.

واخيرا، ما جرى ليس خروجا من تحالفات قائمة، بل تذكير صارخ بأن التحالفات مرنة، والمصالح هي المحرك الأساسي للعلاقات الدولية. موسكو ربحت دون أن تط وترسم خرائط نفوذ جديدة.

اقرأ أيضا: حرب الأيام الـ12 بين إسرائيل وإيران: لا نصر حاسم ولا هزيمة كاملة…

جنوبية

  • Social Links:

Leave a Reply