مطيع اتاسي
بعد لحظة الأمل التي رافقت ثورات الربيع العربي، اختارت شعوب عدة في المنطقة قوى الإسلام السياسي، ظنًا منها أن هذه التيارات تمثل بديلاً أخلاقيًا ونزيهًا عن الأنظمة الاستبدادية القديمة. غير أن التجربة، من مصر وتونس إلى ليبيا واليمن ولبنان والعراق، أثبتت أن الشعارات وحدها لا تصنع دولة، وأن الدين حين يُزجّ به في لعبة السلطة يتحول إلى أداة إقصاء لا مشروع تحرر.
مصر شهدت صعود الإخوان المسلمين إلى الحكم عبر أول انتخابات حرة، لكن تجربة محمد مرسي القصيرة كشفت عن غياب مشروع وطني حقيقي، وتغليب الولاء التنظيمي على الكفاءة، ما أدى إلى استقطاب شعبي حاد، وانتهى بعزل الرئيس في انقلاب شعبي/عسكري مدعوم جماهيريًا.
تونس عرفت سيناريو مشابهًا، إذ دخلت حركة النهضة الحكم بشراكة هشة، لكنها سرعان ما فقدت شرعيتها أمام تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وانتهى بها المطاف خارج السلطة تحت وقع الرفض الشعبي المتزايد.
في ليبيا واليمن، ساهم الإسلاميون في تأجيج الفوضى والانقسامات، دون تقديم أي مشروع لبناء الدولة، بل أمعنوا في التحالفات الانتهازية وتكريس الفوضى.
في لبنان والعراق، اتخذ الإسلام السياسي طابعًا طائفيًا شيعيًا، حيث هيمن حزب الله في لبنان، وفرضت أحزاب المحاصصة الطائفية في العراق منطق النهب والفساد، على حساب أي تصور لبناء دولة.
عوامل الفشل: سلطة بلا مشروع
انعدام الرؤية الاقتصادية: لم يقدم الإسلام السياسي أي بديل اقتصادي واقعي. أزمات معيشية حادة واجهت الشعوب، ورد الفعل كان خطابًا دينيًا أجوف.
عقلية الغنيمة: سلوك هجومي تجاه مؤسسات الدولة، واحتكار المناصب، وكأن النصر الانتخابي تفويض مفتوح للهيمنة لا للشراكة.
فرض تصورات دينية ضيقة: محاولة فرض نمط سلوكي وديني معين على مجتمعات متعددة، أنتج رفضًا واسعًا لدى فئات الشباب والنساء والأقليات.
الفشل في الانتقال من الدعوة إلى السياسة: معظم الحركات الإسلامية حافظت على تنظيمها السري المغلق ولم تتبنَّ قيم الشفافية والديمقراطية الحديثة.
الارتهان للمحاور الإقليمية: تلقت دعمًا من قوى خارجية (قطر، تركيا، إيران) ما أضعف مشروعيتها الداخلية وجعلها عرضة للاتهامات بالتبعية.
رسالة إلى دمشق: الشرعية لا تُبنى بالسلاح فقط
على حكومة أحمد الشرع في دمشق أن تقرأ هذه التجارب جيدًا. ففشل الإسلاميين في مصر وتونس لم يكن فقط نتيجة لانقلابات أو تدخلات خارجية، بل كان ثمرة نفور شعبي حقيقي من غياب العدالة الاجتماعية، واستغلال السلطة، والعجز الاقتصادي.
اليوم، وبعد كل ما مرّت به سوريا من دمار وتهجير وانقسام، فإن إعادة إنتاج أي نموذج سلطوي جديد—حتى لو جاء بزيّ “وطني” أو “مقاوم”—لن يؤدي إلا إلى الانهيار مجددًا. السوريون لا يبحثون عن المنتصر، بل عن من يعيد إليهم دولتهم وحياتهم.
الشرعية الحقيقية لا تُصنع في الثكنات، بل في المصانع والمدارس والمستشفيات، في العدالة والشفافية والمساواة. والمطلوب الآن ليس نصرًا سياسيًا أو عسكريًا، بل مشروع مدني ديمقراطي شامل، يستوعب التنوع السوري، ويبني اقتصادًا حقيقيًا، ويُخرج البلاد من دوامة الخراب.

Social Links: