فرح العاقل
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، كان الأمل أن تنفتح أبواب الحريات الشخصية على مصراعيها، وأن يستعيد السوريون حقهم الطبيعي في التعبير عن أنفسهم والعيش كما يشاؤون بعد سنوات طويلة من القمع. إلا أن ما حدث على أرض الواقع بدا أكثر تعقيداً ومرارة. لم يزُل الخوف، بل تبدّل مصدره؛ ومع غياب الدولة المركزية، برزت قوى أمر واقع تفرض رؤيتها الخاصة للحياة والمجتمع، وتحاول تشكيل السوريين على صورتها، مستخدمة السلاح والسلطة الدينية والضغوط الاجتماعية.
الهجوم الذي طال حفل تخرج في إحدى المدارس الفرنسية في دمشق خلال شهر حزيران 2025، كان واحداً من أبرز مؤشرات هذا التراجع. مجموعة مسلّحة اقتحمت الحفل بذريعة “منع الاختلاط والمجون”، مما أدى إلى ذعر واسع بين الطلاب والمدرسين، وأجبر المنظّمين على إنهاء المناسبة بشكل فوري. لم تُحاسب أي جهة على الحادث، ولم يصدر أي توضيح رسمي، ما أظهر هشاشة الحماية القانونية للمواطنين وغياب أي سلطة مركزية تضمن حرية التعليم والتنظيم والاحتفال. هذه الحادثة، رغم أنها تبدو فردية، تعكس توجّهاً عامّاً نحو ضبط السلوك الفردي بالقوة وتطويع الفضاء العام ليكون مطابقاً لرؤية دينية محافظة ومتشددة، وغالباً ما تكون مفروضة على مجتمعات لا تتشارك تلك القيم.
وفي سياقات مشابهة، باتت مظاهر الفرح العلنية كالحفلات والمهرجانات والجلوس في الحدائق العامة عرضة للتهديد، سواء من جماعات متشددة ترى فيها “انحلالاً”، أو من أطراف مسلحة تستغلها لاستعراض القوة. في مشهد بسيط، قد يكون حفل عيد ميلاد في مطعم، أو جلسة طلابية في حديقة، يُحوّل فجأة إلى قضية أمنية أو أخلاقية، يداهمها عناصر تابعون لفصيل ما، أو يُنشر عنها على وسائل التواصل كمثال على “الانحراف”. هذا القمع الاجتماعي، غير المنصوص عليه في أي قانون، هو الأخطر لأنه يجعل كل فرد رقيباً على الآخر.
التراجع في الحريات لم يقتصر على السلوك الشخصي، بل طال اللباس والفكر والتعليم وحرية التنقل، وخصوصاً بالنسبة للنساء، اللواتي أصبحن الهدف الأول لتدخلات الجماعات المسلحة ورجال الدين المحليين، عبر فرض أزياء معينة، أو قيود على السفر والعمل والظهور العلني. في بعض المناطق، لم تعد المرأة قادرة على المشي في الشارع بدون حجاب، أو الذهاب للعمل إلا بموافقة أحد أقاربها الذكور، رغم أن هذه الإجراءات ليست قانونية ولا دستورية، لكنها فرض واقع جديد يعاقب من يخالفه بتهمة “التعدي على قيم المجتمع”. هذا التحول لا يطال النساء فقط، بل يطول الرجال أيضاً الذين باتوا يُحاسبون على تصرفاتهم، ولباسهم، أو حتى طريقة حديثهم إذا لم تنسجم مع صورة “الرجولة” المفروضة قسراً.
في شوارع بعض المدن السورية، بدأت سيارات تحمل مكبرات صوت تجوب الأحياء، تبث آيات قرآنية أو مواعظ دينية بصيغة دعائية، مرفقة أحياناً بعبارات تهديد مبطن لكل من لا يلتزم بـ”النهج القويم”. هذه الظاهرة، التي أطلق عليها السكان “السيارات الدعوية”، تمثّل وجهاً جديداً من وجوه الضغط المجتمعي، حيث يُفرض الخطاب الديني بصيغة صوتية مهيمنة تخترق كل بيت، دون أن يكون للناس حق الاعتراض. بعض هذه السيارات رُصدت وهي تمر في أوقات المناسبات المدنية، كحفلات التخرج أو الأعياد، وكأنها تأتي لتحلّ محل الفرح، وتذكّر الناس بـ”الحدود” التي لا يجب تجاوزها.
وفي 22 حزيران 2025، وقع تفجير إرهابي استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق، خلال قداس يوم الأحد، وأدى إلى مقتل أكثر من 20 شخصًا وجرح العشرات. الهجوم لم يكن فقط استهدافًا لمكان عبادة، بل رسالة مرعبة لكل من ينتمي للأقليات الدينية بأن وجوده في هذه البلاد مهدد. كان المشهد مروّعاً: أطفال ونساء بين الضحايا، ركام ودماء على المقاعد الخشبية، وغصّة كبيرة في نفوس السكان الذين طالما حلموا بدولة مدنية تحتضن الجميع. التفجير أثار ردود فعل غاضبة داخل وخارج سوريا، لكن الجهة المنفذة لم تُحاسب، والرواية الرسمية جاءت مختلفة عن البيان الذي أصدرته الجهة التي تبنت التفجير.
تعقيد هذا المشهد يتضاعف في مجتمع كالمجتمع السوري، المعروف بتنوعه الطائفي والديني والعرقي والثقافي. ففي الوقت الذي تطالب فيه بعض الجماعات بتطبيق رؤى محافظة متشددة، تجد جماعات أخرى ذات خلفيات مختلفة تصارع للحفاظ على أنماط حياة منفتحة أو معتدلة أو علمانية. هذا الصراع لا يتم على مستوى النخب فقط، بل يخترق العائلات والأحياء والمدارس، ويتحول إلى صدامات صامتة أو معلنة، يختلط فيها الاجتماعي بالسياسي، والديني بالثقافي، والتقليدي بالحديث. شاب من حي مختلط في دمشق قد يعيش في بيئة تفرض عليه قيودًا اجتماعية ناتجة عن الضغط الطائفي، بينما فتاة في مدينة أخرى تعاني من تهديدات بسبب صورة نشرتها على فيسبوك، أو بسبب رفضها ارتداء ثوب “العادات”. وهكذا، تتحول الهويات الشخصية إلى ساحة نزاع، لا ينجو منها أحد.
ولعل أكثر ما يزيد من خطورة الوضع هو أن هذه الانتهاكات لا ترتكب فقط من قبل جماعة واحدة أو في منطقة واحدة، بل تتكرر بصيغ مختلفة في عموم الجغرافيا السورية. في مناطق الشمال، تفرض فصائل إسلامية متشددة رؤى متطرفة على المجتمع، وفي مناطق الساحل، يعاني السكان من انتهاكات على خلفيات طائفية وانتقامية. في الجنوب والشرق، يطغى الانفلات الأمني وغياب القضاء، مما يسمح بحدوث انتهاكات يومية دون رادع. وفي مناطق الإدارة الذاتية، رغم بعض المساحات المفتوحة، يشتكي السكان من فرض توجهات أيديولوجية على التعليم والثقافة والإعلام. الكل يمارس سلطته على الأفراد، والكل يدّعي تمثيل “المجتمع”، والنتيجة واحدة: سحق الفرد بين صراعات الجماعات.
هذا التعدد والتنافر في مصادر القمع يجعل من معركة الحريات في سوريا أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالسوري اليوم لا يواجه سلطة واحدة يمكن محاسبتها أو تغييرها، بل يواجه سلطات متعددة، متداخلة، متنافسة، لكل منها أجندتها وسلطتها وسلاحها. بين هذه السلطات، يضيع الفرد، وتضيع حقوقه، ويصبح مجبراً على التكيّف مع بيئات متغيرة، أو الانسحاب الكامل من الحياة العامة. وفي حالات كثيرة، يُتهم من يرفض الصمت بـ”الخيانة” أو “نشر الفتنة”.
في ظل غياب دستور موحّد، وقضاء مستقل، وأجهزة مدنية تحفظ الحقوق وتلجم الاعتداءات، يبقى المواطن السوري رهينة موازين قوى متبدّلة، تحكمها الصفقات لا المبادئ، وتُصاغ فيها القوانين على هوى المسيطر. وبذلك، تصبح الحريات الشخصية، التي كان يُفترض أن تكون بديهية بعد نهاية الاستبداد، مجرد ورقة تفاوض، أو امتياز مشروط، أو حلم مؤجل بانتظار دولة لا تزال بعيدة المنال. وكل ما يبقى في الأفق هو سؤال مؤلم: كيف يمكن للحرية أن تولد من رحم الفوضى، إذا لم يكن أحد مستعداً لحمايتها؟

Social Links: