فرح العاقل

منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تحوّلت محافظة السويداء إلى واحدة من أكثر المناطق السورية التي خضعت لاختبار حقيقي بين الحرية الوليدة وخطر الانغلاق الطائفي والتسلّح العشوائي. فعلى الرغم من أن السويداء كانت تاريخياً توصف بواحة الهدوء النسبي والتنوّع والانفتاح، إلا أن ملامح جديدة بدأت تتشكّل على الأرض، مهددةً صورة المحافظة وأهلها.
من أبرز مظاهر هذا التغيير تصاعد الخطاب الطائفي الذي يظهر جلياً في الأغاني التي تُبث في المناسبات والتجمعات، وفي المواكب المسلحة التي تحمل رايات دينية وشعارات هوياتية ضيقة. لم تعد السيارات التي تجوب شوارع السويداء تخلو من العبارات التي تمجّد الرموز الطائفية أو تدعو للاصطفاف خلف الطائفة وحدها، وكأنها تذكير يومي بأن الخوف ما زال قائماً ولو تغير وجه النظام.
لكن هذه المظاهر لم تمر بصمت داخل المجتمع، إذ شهدت السويداء نقاشات واسعة في أوساط النخب والشباب حول جدوى هذه الرموز والشعارات. هناك فئة ترى في رفع الرايات والأغاني نوعاً من التعبير عن الهوية والدفاع عن الذات في ظل تراجع الأمن وغياب المؤسسات القوية، بينما تحذر فئة أخرى من أن هذا الخطاب يعيد إنتاج الانقسام وينسف أي حلم حقيقي بدولة مدنية جامعة لكل السوريين.
في هذا السياق، تتحمّل الحكومة الانتقالية جزءاً من المسؤولية، فبدلاً من تقديم نموذج سياسي يضمن الشراكة الحقيقية ويحاصر مظاهر الفوضى، مارست الإقصاء تجاه بعض الشخصيات والمكوّنات الفاعلة، ولم تتمكّن حتى الآن من ضبط حالة الفصائل الخارجة عن القانون أو تلك المنضوية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، والتي لا يمر يوم دون أخبار عن الانتهاكات التي تمارسها بحق السوريين عموماً. ولا يخفى على أحد من داخل السويداء وربما خارجها إن بعض الفصائل التي تشكّلت أساساً تحت غطاء الأفرع الأمنية في العقود الماضية لغرض إبقاء حالة الخوف والفوضى وحماية تجارة السلاح والكبتاغون، أعادت ترتيب صفوفها بشكل جديد وتحت ولاءات مُختلفة، محتفظة بذات أدوات الضغط والسيطرة: السلاح الذي يسمح بالتجاوزات، والخطاب الديني المتشدد.
وبين هذا وذاك، تجد النخب الثقافية والاجتماعية نفسها عاجزة عن خلق حالة مدنية قوية أو تنظيم قوة موازية قادرة على كبح جماح التطرّف الرمزي والمسلّح. فالمحاولات الفردية أو الجماعية لتشكيل مبادرات مدنية غالباً ما تصطدم بحالة الانقسام الداخلي أو بالخوف من التصادم مع المجموعات المسلّحة.
هذا العجز سمح ببروز حالة جديدة في الشارع: انقسام بين من يرى في زعيم روحي أو رجل دين من طائفة الموحّدين الدروز رمزاً للتماسك وضمانة للأمان الاجتماعي، وبين من يعتبر أن بقاء الرمزية الدينية في الواجهة يقيّد أي انتقال حقيقي نحو دولة مدنية علمانية.
وتشير تقارير محلية إلى أن هذا الجدل بات علنياً في مجالس السويداء وعلى صفحات الناشطين والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام، وحتى ضمن العائلات، مع ازدياد التساؤل: هل يمكن أن يتحرر المشروع المدني من الخطاب الديني إذا لم يتحرر الناس من ولاءاتهم الضيقة؟
ومع استمرار الحوادث الأمنية وحالة التسلّح المفتوح، يخشى كثيرون أن تبقى السويداء رهينة لشعارات الحماية الطائفية التي تسهم بشكل كبير في زيادة حالات الاستقطاب والانقسام والتشرذم الداخلي في المحافظة اليوم ، ويُخشى أن تتحوّل هذه الشعارات إلى مظلة لتغذية مصالح بعض الزعامات التقليدية والفصائل الصغيرة، في وقتٍ يطالب فيه كثير من الأهالي باستعادة صورة السويداء كحاضنة للتنوّع والتسامح والتعايش.
في النهاية، لا يمكن لأي رجل دين أو زعيم عشائري أو حكومة انتقالية أن تدّعي السعي نحو دولة مدنية ما لم تتحرّر الأرض من المظاهر التي تُقسّم الناس وتعيد تدوير الخوف والتسلّح والانغلاق. فالسويداء تحتاج اليوم إلى شجاعة مضاعفة: شجاعة مواجهة مظاهر التطرف والرايات والشعارات، وشجاعة بناء مؤسسات حقيقية تضمن الأمن وتعيد الأمل بأن الثورة على الاستبداد كانت من أجل مجتمعٍ متحرّر حقاً، لا مجرد استبدال رموز بوجوه جديدة.

Social Links: