“حول مؤتمر الأقليات”

“حول مؤتمر الأقليات”

محمد صبرا

  1. على الرغم من موقفي من هذه المؤتمرات التي تجنح عادة لخلق حروب وهمية، فإن للأقليات العددية الدينية أو القومية كل الحق بالاجتماع والنشاط السياسي تعبيراً عما تراه مصالح لها، ومن حقها أيضاً أن تؤسس أحزاب سياسية وحركات استناداً لهذه الرؤية، شريطة أن لا تحمل السلاح في مواجهة الدولة، وأن لا تفرض رؤيتها على شكل الدولة السورية، وأن تنحصر مطالبها بالمطالب المشروعة الواردة في العهد الدولي لحقوق الإنسان المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالإعلان العالمي لحقوق الأقليات، وكل هذه المنظومة القانونية التي قاربت حقوق الأقليات ونصت عليها، تحظر حمل السلاح أو الدعوة للانفصال أو فرض رؤية شكل الدولة.
  2. ألا تضع الأقليات نفسها في حرب موهومة مع “الأفراد الذين يتشكل الشعب السوري بأغلبيته منهم”، فعلى مستوى الاجتماع السياسي فإن الأقليات تطالب بحقوقها بمواجهة الدولة، وليس بمواجهة الأغلبية العددية التي تنتمي لعرق أو دين هذه الأغلبية، هذا الفهم ضروري جداً من كل الأطراف.
  3. إن شكل الدولة لا يتحدد عبر تفاهمات بين ما يسمى مكونات أو عبر ضغوط تمارسها الأقليات، بل يتحدد عبر الدستور الدائم الذي يجب أن تكتبه هيئة تأسيسية منتخبة بشكل ديمقراطي، والذي يتم إقراره من خلال صندوق الانتخاب ووفق المنطق الديمقراطي الذي يعتمد الأكثرية السياسية التي تشمل كل مواطني الدولة بلا استثناء، أي النصف زائد واحد، أو أغلبية نسبية محددة يتم الاتفاق عليها في مثل هذه الحالات عادة.
  4. إن كل دول العالم قاطبة تتواجد لديها أقليات دينية أو قومية، وهذه الأقليات تُعبّر عن نفسها عبر أحزاب وحركات ومنظمات، لكن أي أقلية تحمل السلاح في مواجهة الدولة فإنها تواجه بالقانون ووفق منطق الدولة، فلا الدولة الفرنسية تسمح للمسلمين الذين يشكلون 10٪ من مجموع الشعب الفرنسي بحمل السلاح وفرض رؤيتهم وثقافتهم ومطالبهم بكانتون مسلم في مرسيليا، أو في الضواحي مثلا، كذلك لا تسمح الولايات المتحدة للأمريكيين من أصول أفريقية والذين يبلغ عدده 13.6٪ من إجمالي السكان، بحمل السلاح تحت ذريعة المظلومية التاريخية والاضطهاد العنصري الذي عايشوه، والمطالبة بولاية خاصة بهم، أو الانفصال عن الولايات المتحدة.
  5. إن أفراد الأقليات مواطنون أصيلون، ويجب أن يكون انخراطهم في الشأن العام من باب قيم المواطنة والحداثة والقانون، وليس من باب فرض رؤية أحادية الجانب عبر الاستقواء بالسلاح، ومن حق أي سوري أن يطرح أن تكون الدولة علمانية لكن عليه أن يطرح هذا الخيار للاستفتاء العام، وبالمناسبة ناقش المؤتمر السوري العام عام 1918 وحتى 1920 موضوع علمانية الدولة، وكان نقاشاً ثرياً ومفيداً لكن أيا من الذين طرحوا هذا الطرح لم يحمل السلاح ولم يطالب بفرض هذه الرؤية ووضع السوريين أمام خيارين إما أن تقبلوا بما أرى أو سأنفصل عن البلاد.
  6. إن السلطة الحاليةالتي تدير المرحلة الانتقالية، محكومة بقواعد المرحلة الانتقالية وبالصلاحيات التي يفترض أن تمارسها خلال هذه المرحلة، وبالتالي لا تملك الحق تحت ذريعة أنها تمثل “أكثرية عددية” بتغيير طبيعة الدولة وقوانينها العامة، وعليها أن توفر الظروف والبيئة الآمنة اللازمة لعقد انتخابات الهيئة التأسيسية المخولة كتابة الدستور المعبر عن العقد الاجتماعي للبلاد، وإقراره في نهاية المرحلة الانتقالية وفق الأسس والمبادئ الديمقراطية السليمة القائمة على المساواة الأخلاقية والقانونية بين كل المواطنين بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو لغتهم.
    محمد صبرا
    8/8/2025

  • Social Links:

Leave a Reply