مطيع اتاسي
في مشهد يبدو غير مألوف للسياسة الخارجية الأميركية، يطلّ دونالد ترامب بموقف يبدو، ظاهريًا، مخالفًا للنهج التقليدي للولايات المتحدة في التعامل مع الدول التي تشهد صراعات داخلية. مساعدة ترامب لسوريا بعد سقوط الأسد، كما تُروّج بعض التسريبات، تطرح تساؤلات جدية: هل نحن أمام تغير حقيقي في السياسة الأميركية، أم أن هناك حسابات أعمق لا تزال تُدار من خلف الستار؟
أمريكا بعد الغزو: من يوغوسلافيا إلى العراق
لفهم ما يجري اليوم في سوريا، علينا أولًا مراجعة السجل الأميركي في ما بعد الغزو:
يوغوسلافيا: لم تكتفِ أمريكا بدعم تفككها، بل رعت تقسيمها إلى ست دول عرقية وطائفية بحتة، مكرسة نمط “فرق تسد”.
العراق: بعد الغزو عام 2003، لم تسعَ أمريكا إلى إعادة بناء دولة، بل أسّست نظامًا هشًا طائفيًا يقسم البلاد عمليًا إلى ثلاث مناطق: شيعية في الجنوب، سنية في الوسط، وكردية في الشمال.
في كل هذه الحالات، لم تكن المساعدة الأميركية “بناءة” بل وظّفت الفوضى لضمان نفوذ طويل الأمد، وتحقيق أهداف جيوسياسية متداخلة.
تصريحات ترامب: من العداء للنظام إلى “فرصة لسوريا”
منذ ترشحه الأول، لم يُخفِ ترامب استياءه من تورط بلاده في مشاريع “بناء الأمم”. فقد قال بوضوح إن “مهمة الولايات المتحدة ليست إنشاء دول جديدة”، وكرر مرارًا خلال ولايته الأولى رغبته في الانسحاب من سوريا.
ورغم تصريحاته الحادة ضد الأسد، والتي بلغت حد وصفه بـ”الحيوان”، رفض ترامب أن يمدّ يده للمعارضة السورية قائلًا:
“أنا أعرف الأسد، لكن لا أعرف المعارضة.”
هذا الموقف المركب – رفضه للأسد من جهة، وتردده تجاه المعارضة من جهة أخرى – خلق فراغًا في سياسة بلاده، وفتح الباب أمام قوى أخرى، مثل روسيا وإيران، لتملأ هذا الفراغ.
المثال الأشهر: “فتاة إدلب”
في موقف مثير، قال ترامب إن قراره بمنع الأسد من دخول إدلب جاء بعد أن استمع لفتاة سورية تحدّثت عن معاناة إخوتها هناك. هذا التصريح، رغم طابعه العاطفي، يُظهر كيف أن القرارات الكبرى قد تُتخذ بناء على انطباعات فردية وليس رؤية استراتيجية متكاملة.
بعد سقوط الأسد: تكتيك جديد أم ازدواجية سياسية؟
التحول الأكثر غرابة حدث بعد سقوط الأسد. فجأة، بدأت إشارات من ترامب تشير إلى رغبة في إعطاء “فرصة لسوريا”. فهل تغيّرت حساباته؟ أم أنه يسير وفق تكتيك غامض يتعارض مع شركائه التقليديين، وعلى رأسهم نتنياهو؟
نتنياهو، وعلى مدار سنوات، كان واضحًا في هدفه:
تقسيم سوريا لضمان أمن إسرائيل وفرض أمر واقع في الجولان.
بينما ترامب، وفي المقابل، يبدو وكأنه يُجمّد التقسيم ويمنح سوريا “فرصة”، كل ذلك مع تمديد دعم البنتاغون لقوات سوريا الديمقراطية، دون أي حديث جدي عن حل سياسي شامل.
السيناريوهات الممكنة: ما الذي يريده ترامب من سوريا؟
يمكن أن نفهم مواقف ترامب في ضوء عدة سيناريوهات:
منع إيران من العودة إلى الساحة السورية، عبر تقوية البدائل المحلية وتقديم دعم مشروط لإعادة الإعمار.
قطع طريق الحرير الصيني، من خلال إبقاء سوريا في حالة عدم استقرار سياسي تمنع تحولها إلى عقدة ربط تجاري بين آسيا وأوروبا.
فرض اعتراف عربي وإسلامي بسيادة إسرائيل على الجولان، مقابل “فرصة” دعم أميركي مشروط لإعادة تعافي سوريا.
وربما، يجتمع كل ذلك معًا في خطة استراتيجية مرنة، تتغير حسب الظروف.
الدرس من التاريخ: من يتحالف مع أمريكا يخسر
أخيرًا، من المهم التذكير أن من يضع كل بيضه في السلة الأميركية، غالبًا ما يخرج خاسرًا. فقد علّمتنا التجربة أن أمريكا لا تبني الدول بل توظفها، ولا تمنح دعمها مجانًا، بل تفرضه وفقًا لمصالحها وحدها.

Social Links: