سمير منصري

العصبيات القاتلة وخطرها على الحضارات: قراءة فلسفية في آليات الهيمنة الإمبريالية
=مقدمة:
في الأزمنة القديمة كما في الحاضر، شكّلت الهويات الجماعية إحدى الدعائم الأساسية للتماسك الاجتماعي، لكنها كثيرًا ما انقلبت إلى آليات تدمير ذاتي حين انفصلت عن بعدها الإنساني.
إن الدين، القومية، الطائفة، الجهة، والقبيلة، إذ تتحول إلى معايير انغلاقية مطلقة، تولّد عصبيات قاتلة تهدد كيان الشعوب من الداخل، مما يجعلها عرضة سهلة للتفكك والهيمنة.
في هذا السياق، لم تكن الإمبريالية مجرد قوة احتلال عسكري أو اقتصادي، بل كانت، وما تزال، عبقرية في استثمار هذه العصبيات لإعادة إنتاج تبعيات جديدة، في مشهد يتكرر بلا نهاية.
=العرض:
-1-أولًا: الهوية والعصبية – من الاختلاف الخلّاق إلى القتل الرمزي
-الهوية، بالمعنى الفلسفي، هي تفاعل جدلي بين الذات والآخر. وجودها يقوم على الاعتراف بالتمايز دون أن يتحول هذا التمايز إلى نفور.
غير أن العصبية تبدأ حين تفقد الهوية طابعها الجدلي، وتتحجر إلى يقين مطلق يرى الآخر خطرًا لا بد من إلغائه.
في هذا المنعطف، يتحول الاختلاف من طاقة خلّاقة إلى ذريعة للعنف، وتتحول الرموز الثقافية إلى أسلحة تدميرية.
هكذا تتحول الديانات إلى مشاريع تكفير، والقوميات إلى منظومات تفوق، والطوائف إلى متاريس دموية.
-2-ثانيًا: الاستراتيجية الإمبريالية – توظيف العصبيات في خدمة الهيمنة
لقد أدركت القوى الإمبريالية أن سيطرة مستدامة على الشعوب لا تُبنى بالقوة العارية فحسب، بل عبر تفكيك الروابط الجامعة بينها.
فبدلاً من المواجهة المباشرة، استثمرت الإمبريالية الفروقات الدينية والعرقية، وأعادت صياغتها كصراعات وجودية، ثم تدخلت كوسيط “مُنقذ”، وهي في الواقع الطرف المستفيد الأكبر.
هكذا تحولت الجغرافيا إلى فسيفساء من الكيانات الضعيفة، كل واحدة منها محاصرة بخوفها وهويتها الضيقة، لا تملك القوة على مقاومة مشروع الهيمنة.
-3-ثالثًا: النتائج الفلسفية والسياسية للعصبيات القاتلة
فلسفيًا، تؤدي العصبيات إلى نفي مبدأ الإنسانية المشتركة، وإلى خيانة جوهر الهوية التي يفترض بها أن تكون مفتوحة، لا مغلقة.
سياسيًا، ينتج عن هذا الوضع انهيار الدولة الوطنية، تفشي الحروب الأهلية، إعادة إنتاج الاستبداد المحلي تحت غطاء “حماية الهوية”، وأخيرًا، ترسيخ التبعية لقوى خارجية باسم الأمن أو الحق التاريخي أو حماية الأقليات.
إن الشعوب التي تُستلب إلى داخل هوياتها القاتلة تفقد إمكان بناء مشروع تاريخي مشترك، وتُحكم عليها بالتفتت المستدام.
=خاتمة:
الهوية، حين تُفهم كوعي حي بالذات وعلاقتها بالآخر، هي شرط ضروري للتحرر.
أما حين تتحجر وتتحول إلى عصبية قاتلة، فإنها تصبح أداة للعبودية الجديدة.
وفي هذا المعنى، لا يكون الخلاص إلا عبر تجاوز الانغلاق الهوياتي، وإعادة بناء مشروع إنساني مشترك، يعترف بالاختلاف دون أن يجعله حدودًا للعداء.
إن الوعي الفلسفي بهذه المخاطر، والتحرر من أوهام النقاء الهوياتي، يمثلان اليوم الشرط الأولي لإنقاذ الشعوب من مصائرها المأساوية.
_

Social Links: