لا مجتمع حر بدون الحريات العامة والسياسية

لا مجتمع حر بدون الحريات العامة والسياسية

د لؤي صافي


أثار حديث المستشار الإعلامي للرئيس السوري لقناة العربية حول اقتراحه قيام الإخوان بحل أنفسهم عددا من القضايا تتعلق بطبيعة المرحلة. يملك السيد زيدان الحق في انتقاد ممارسات جماعة الإخوان ودعوتهم لحل أنفسهم (وسبق أن دعوتهم شخصيا للقيام بذلك)، لكن هذا القرار يبقى قرارهم. وعندما يخالف قادتهم وأفراد منهم القوانين الصادرة عن سلطة تشريعية مستقلة، يمكن مقاضاة من يخالف القانون من أعضائهم أمام القضاء المستقل. وتبقى حقوقهم السياسية محفوظة كما هي محفوظة لكل مواطن سوري، إذ لا يمكن في مجتمع حر أن تقوم السلطة التنفيذية بالحد من الحريات العامة التي كفلها الإعلان الدستوري.

نعم ثمة حاجة إلى رص الصفوف خلف الإدارة الجديدة لتمكينها من تحقيق النقلة المطلوبة نحو مجتمع موحد سياسيا ومتطور علميا واقتصاديا ومعرفيا. لكن دعم جهود الحكومة الانتقالية يتضمن مطالبتها بالحفاظ على الأهداف التي انتفض السوريون لتحقيقها ودعوتها للالتزام بالإعلان الدستوري عندما يتم تجاهله. دعم جهود التغيير لا يتناقض بطبيعة الحال مع قيام أحزاب ومنظمات سياسية مستقلة عمن تقلد مناصب إدارية وقيادية ضمن الإدارة الجديدة، بل يتطلبه.

كلام أحمد زيدان قد ينم عن نوايا طيبة وإرادة خيرة تجاه الوطن والمجتمع، لكنه ينضوي على سوء فهم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وعدم الإحاطة بأهمية إخضاع السلطة التنفيذية للمساءلة الدستورية والقانونية للحفاظ على أنجازات الثورة التي اسقطت نظام الاستبداد. يجب أن لا ننسى أبدا أن مشكلة السوريين مع نظام الأسد بدأت عندما أصر منظروه والمتنفذون فيه على حظر أي نشاط سياسي خارج دائرة السلطة، وأبقوا في النهاية على حزب واحد يقود البلاد ويشرف على باقي الأحزاب ضمن الجبهة القومية التقدمية سيئة الصيت دون أن يتمكن أحد من مساءلته شعبيا أو قانونيا.

يجب أن لا ننسى أيضا أن المشكلة السياسية الكبرى التي واجهت الأنظمة السياسية في سوريا منذ الاستقلال تمثلت في غياب المساءلة عن دوائر الحكم (باستثناء أعوام قليلة توسطت فترات حكم العسكر في خمسينيات القرن الماضي)، وما نجم عن ذلك من تكريس الاستبداد، وفرض الرأي الواحد والصوت الواحد، وعجز المجتمع الذي جُرد من مؤسساته المدنية والسياسية والإعلامية المستقلة عن مساءلة من هو في موقع الحكم. وبالتالي ولادة واقع سياسي اتصف بالقمع والفساد الإداري والمالي مع غياب الرقابة الشعبية والتشريعية والقضائية.

حرية التعبير وإنشاء المنظمات المدنية والسياسية أساسي لمنع قيام سلطة مركزية منفكة عن الناس واحتياجاتهم وإرادتهم، فمن غير الممكن الحفاظ على الحريات السياسية والدينية والثقافية والفنية دون حماية حرية التعبير والتنظيم. ولن يتمكن السوريون في غياب هاتين الحريتين من تشكيل سلطة تشريعية وقضائية مستقلة عن السلطة التنفيذية، وقادرة على مساءلتها للحيلولة دون العبث بأمن المواطن والمصلحة العامة، وقطع الطريق على من تسول له نفسه استخدام مؤسسات الدولة لتحقيق مكاسب شخصية وفئوية على حساب مصالح المواطنين الشرعية وحقوق أبناء المجتمع السوري الحر.

أنا شخصيا لا أخشى على سوريا وفيها الكثير من الأحرار الذين عركتهم سنوات المواجهة مع نظام الاستبداد. ولكني أخشى ممن لا يجيد مهارة نقد الذات ومحاسبتها ومن يظن أن الحرية والكرامة عملية انتقال من حال إلى حال، وليست عملا دؤوبا وجهدا موصولا للحفاظ على مكاسب الثورة ونضال السوريين لإزالة نظام الفساد والاستبداد، وتكريس الشروط الاجتماعية والسياسية لحماية الكرامة والحرية والعدالة، والقيم الرسالية المرتبطة بهم.

  • Social Links:

Leave a Reply