قول في الفاشية:

قول في الفاشية:

د احمد برقاوي


حين كلفت بكتابة مادة الفاشية للموسوعة الفلسفية العربية في ثمانينات القرن الماضي* عدت إلى معناها اللغوي وأصلها وفصلها في المراجع الأجنبية، ولم أتطرق الى الفاشية في إهابها العربي، ذلك لأنها بالأصل ظاهرة أوروبية، نشأت في مرحلة ما بين الحربين، ولكن في الوقت الذي تحررت فيها أوروبا من ظاهرة الفاشية في صورتها النازية والموسولينية والفرانكوية وقد صارت جزءاً من تاريخ مضى عليه الزمن، ها نحن نراها في بعض بلداننا وقد ظهرت في أسوأ مظاهرها.
لن أعود إلى أصل الفاشية وفصلها، حسبي أن أعرفها بأنها جماعة من الناس ذات عصبية أيديولوجية متعصبة منظمة تنظيما صارما يقودها زعيم يتحول لدى جماعته إلى كلي القدرة وإلى آمر مطلق، وتتوسل هذه الجماعة القوة بكل أشكالها لتحقيق أهدافها. ويمكن للفاشية أن تتعين في سلطة حاكمة وفي حركة سياسية وفي جماعات عنفية، كما يمكن للأيديولوجيا الفاشية التي تؤسس للعصبية المتعصبة أن تكون دنيوية أو أن تكون دينية. وما يميز الجماعات الفاشية صرامة التنظيم والشعارات الرمزية، والأشكال الخارجية في الأزياء.إذاً ليس هناك شعب فاشي ولا دين فاشي ولا طائفة دينية فاشية هناك تنظيمات فاشية. يتكون جمهور الفاشية غالباً من أقلية مثقفين موتورين وأكثرية من البروليتاريا الرثة. إن الدفاع عن المهمشين والبروليتاريا الرثة -فقراء المدن وسكان مدن الصفيح وعن الطبقتين العمالية والفلاحية هو رفض للعبودية في إهابها الرأسمالي -العولمي، وفِي الدكتاتوريات العسكريتارية الرعاعية. لكن هذه الفئات لم تتكون في حقل ثقافي -معرفي يسمح لها بخوض نضال واعٍ منظم. من هنا كان الدكتور ماركس والبورجوازي إنجلز والحقوقي لينين والدكتور جيفارا والفيلسوف هربرت ماركوز، وما شابه هؤلاء الناطقين باسم مصالح هذه الفئات وتحريرها. وإن طبقة الرعاع إذا ما أفرزت من بين صفوفها قادتها فإنها لن تفعل سوى إنجاب قطاع طرق في النهاية.
ولا شك بأن انحدار جزء كبير من الفئات الوسطى في بلاد العرب إلى المستوى الأخلاقي والقيمي الرعاعي قد صعب عملية إنتاج النخبة التي تنتجها عادة الفئات الوسطى. والملاحظ بأن الفئات الهامشية والبروليتاريا الرثة هي التي كانت خزان القوى الهمجية للدكتاتوريات والحركات الأصولية الرعاعية. وإن جزءا من الفئات الوسطى قد انحاز إلى هذا الطرف أو ذاك بسبب انحطاط الوعي.

فالمتأمل بجمهور الدكتاتوريات الفاشية سيجد بأن العصبية لهذه الدكتاتوريات إما عصبية طائفية، أو مناطقية أو عسكرية قروية. إن الحركات الفاشية تفسد كفاح المجتمع وفئاته وطبقاته الاجتماعية. فالثورة السورية هي ثورة شعب بكل فئات

ما يميز الجماعات الفاشية صرامة التنظيم والشعارات الرمزية، والأشكال الخارجية المرعبة، كفاشية حزب الله مثلا
ه الاجتماعية من فئات وسطى وفلاحين وعمال ومثقفين ومهنيين، فجاءت الحركات الفاشية بكل ما تمتلك من عنف، إلى جانب عنف الفئة الفاشية الحاكمة وعنف رعاعها وسلبت حركة التاريخ وإرادته العقلية. فاتحدت فاشية النظام ورعاعه مع الفاشية الأصولية لتخريب منطق التاريخ.

إذا انتقلنا الآن إلى الفاشيات العربية وطبقنا تعريفنا السابق عليها سنجدها جزء من بقايا الفاشيات المعاصرة .
مثلت بعض أنظمة الحكم العربية أنموذجاً لفاشية ضيقة من حيث العصبية، ولهذا احتفظت هذه الفاشية بالدلالة الرمزية للزعيم كلي القدرة وتحول مرجعاً للسلوك والانتماء للوطن، فمعيار الانتماء هنا وقف على الخضوع للقائد الرمز، سيد الوطن الخالد الأول في كل شيء، الذي قوله قول فصل، والذي يفتدى بالروح وبالدم. لقد أزاحت رمزية الحاكم رمزية الشعارات العامة للحزب الذي تحول إلى يافطة أيديولوجية ليس إلا. بل والنشيد الخاص بالعصبية الفاشية أتى عليه الهتاف للزعيم.
أما في الحركات غير الحاكمة فتظهر الفاشية العربية الآن في صورة الحركات العنفية التي تستند الى مرجعيات أصولية دينية-طائفية من كل أنواع الأصوليات.

إن نظرة إلى القاعدة، وهي ذات تنظيم صارم سنجد كل مقومات الفاشية حاضرة في هذا التنظيم، من حيث العصبية الأيديولوجية، الرمز الزعيم الذي يُصَور راكباً حصانه الأسود، وحاملاً بندقيته يسابق الريح محاطاً بالرايات السوداء والأهازيج الدينية. وما داعش إلا الوريث الشرعي للقاعدة، والتي لأفرادها لباس موحد، يظهر القوة والعنف، ويرفع الراية السوداء مكتوبة بالكلام غير المنقط، وأصوات الرجال بالغناء تعزز العصبية وتسندها والخليفة يرمز الى مركزيته المطلقة.
لكن هذه الفاشية لا تمثل الإسلام السني في بلاد الشام والعراق وجزيرة العرب ،بل هي مجموعة ضيقة بالقياس إلى مئات ملايين السنة من المحيط إلى الخليج ومن كل الأقوام البعيدين كل البعد عن هذا الوعي.
وبالمقابل نجد فاشية أنموذجية في صورة حزب الله اللبناني وحزب الله العراقي وما شابه ذلك من المليشيات الطائفية في العراق، حيث وقف على رأس هذا التنظيم شخص يلقب بالسيد، وترتفع القبضات المعبرة عن التحدي معززة بصياح الحناجر لبيك يا نصرالله. اللباس الموحد في الاستعراض العسكري يمنح العرض الهيبة والالتزام والرايات الصفراء ترتفع عالياً بالسماء وأهازيج الرجال بأصواتهم المصطنعة تضفي على الحشد روح العصبية.
لكن هذه الصفة الفاشية للتنظيمات ذات الطابع الشيعي ليست صفة الطائفة الشيعية،
والصورة نفسها تنطبق على أنصار الله في صعدة، ولكن القبضات التي ترتفع للسيد لا ترتدي لباساً موحداً، والرايات التي تعلن الموت لأميركا وإسرائيل واليهود ترتفع عالياً أثناء الهجوم على عدن. لا شك أن حركة أنصار الله الحوثية الفاشية هي صورة كريكاتورية لفاشية حزب الله.
وأنصار الله لا يمثلون المكون الزيدي في اليمن وهكذا.
وعندي إن أي تنظيم ميليشيوي ذي طقوس شعاراتية وخطاب تعصبي وأعلام تدل عليه واعتداد بصفات فيه أو ما ليس فيه هو تنظيم فاشي .
سواء كان هذا التنظيم المليشيوي ديني أو قومي أو علماني.وبالمناسبة فإن موسوليني مؤسس الفاشية في إيطاليا هو علماني وهيجلي.
ولقد ابتليت بلادنا التي لا علاقة لها بالفاشية والنازية الأوربية بأسوأ ظاهرة وحدت بين الفاشية والنازية في حركة عنصرية ظهرت في أوربا وحولتها أوربا إلى حركة محتلة لمنطقة عزيزة جداً على أهل البلاد.
إنها ف ل س ط ي ن.

إن الفاشية في صورها تلك ظاهرة لا تستقيم مع روح الحياة الراهنة والمعاصرة وحاجات الناس إلى الوجود الحر بعيداً عن التعصب الفاشي والعصبيات الضيقة، وعندي أن معركة الثقافة العربية الراهنة، ومعركة الفكر والأدب والفن ضد الفاشيات أياً كانت صورها أمر استراتيجي.
فهذه الحركات الخطيرة على الحياة، على كل أشكال الحياة، ستفسد إذا ما تطاولت واستعرت العلاقات المعشرية المجتمعية، وستعمم عنفها البدائي الهمجي ليطال الحاضر والمستقبل بل والتاريخ.
*:راجع الموسعة الفلسفية العربية.
‫‬

  • Social Links:

Leave a Reply