انور يونان
في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا، حين يُعاد تشكيل مؤسسات الدولة من تحت الركام، يبرز الجيش السوري الجديد كرمز للوحدة الوطنية الموعودة. لكن خلف الشعارات البراقة، تلوح أسئلة محرجة: من يُستبعد؟ من يُدمج؟ ومن يُحذف من سردية “الوطن الجامع”؟
من جيش البعث إلى جيش الأسد إلى جيش الشرع ؛ هل تغيرت العقيدة أم تبدلت الوجوه؟
السلطة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع تعلن أنها بصدد بناء جيش وطني غير طائفي، جامع لكل السوريين. لكن الممارسات على الأرض تكشف عن تفكيك ممنهج للأجهزة الأمنية القديمة، وتشكيل فرق عسكرية يغلب عليها الطابع السلفي/الجهادي كما كان سائدا منذ ظهور داعش والنصرة ، مع غياب شبه تام للمكونات الكردية، العلوية، والمسيحية والإسماعيلية…
هذا يطرح السؤال الذي يتردد اليوم في جميع أنحاء سوريا :هل نحن أمام جيش وطني فعلاً؟ أم أمام إعادة إنتاج طائفية مضادة، تستبدل هيمنة استبداد الأسد بهيمنة استبداد أقلية سلفية/جهادية
ما الذي يُحذف من الأرشيف؟
في الأشهر الأخيرة، اختفت مقالات تحليلية من مواقع مثل الشرق الأوسط وسكاي نيوز عربية، كانت تتناول تحديات إعادة تشكيل الجيش السوري الجديد. هل الحذف عفوي؟ أم بطلب من جهات لا ترغب بكشف هيمنة أقلية سلفية/جهادية تحكم باسم جميع السنة في سوريا ؟
في سوريا، ما يُحذف من السردية أبلغ مما يُقال. فغياب المكونات غير هذه الأقلية من المشهد العسكري لا يُناقش، بل يُطمس، وكأن الوحدة الوطنية تُبنى بالصمت لا بالاعتراف.
الجيش ليس مجرد مؤسسة أمنية، بل هو مرآة للعقد الاجتماعي. فإذا كُتب هذا العقد بلون واحد، فإن ما يُسمى “وحدة وطنية” هو مجرد شعار سلطة تسعى لاحتكار جديد للسلطة، لا شراكة حقيقية في الوطن.
هل يمكن بناء جيش وطني دون ضمانات دستورية؟ دون تمثيل متوازن؟ دون اعتراف بالمكونات التي عانت من التهميش أو الإقصاء؟
الجيش السوري الجديد قد يكون فرصة تاريخية لإعادة تعريف المواطنة، لكنه أيضًا خطر وجودي إذا أُعيد تشكيله على أسس إقصائية.
وما يُحذف من السردية اليوم، سيتحول إلى أزمة شرعية غداً

Social Links: