منار الشاعر

لماذا فشل المثقف العربي؟… وماذا تغير في الثقافة العربية منذ فجر الإسلام؟
في واحدة من المحاضرات الفكرية بإحدى الجامعات العربية، طرح صحفي تونسي سؤالًا محرجًا على المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي:
“لماذا استطاع لينين أن يغيّر وجه أوروبا، بينما لم يستطع آلاف المثقفين العرب، منذ أكثر من قرن، أن يغيروا ولو شبراً واحداً من خريطة الوطن العربي؟”
كان جواب العروي مراوغًا، فقال:
“في العالم العربي هناك ظاهرة انتحار المثقف العضوي، بالمفهوم الغرامشي للكلمة.”
وهكذا بقي السؤال معلقًا، يتردد في الأذهان بلا إجابة حاسمة. وكأن العروي آثر أن يترك الجرح مفتوحًا، دون أن يتورط في تشخيص أكثر قسوة.
لاحقًا، جاء محمد عابد الجابري ليقترب أكثر من لبّ الأزمة، عبر مشروعه الفكري الضخم “نقد العقل العربي”، الذي حاول فيه، بأدوات تحليلية دقيقة، أن يشرح لماذا عجز الفكر العربي الحديث عن تحويل رؤاه إلى تغيير فعلي في الواقع.
الجابري لم يسأل فقط عن محتوى “العقل العربي”، بل طرح سؤالًا أوسع وأكثر جذرية:
“ما الذي بقي ثابتًا في بنية التفكير العربي منذ قرون؟ وما الذي تغيّر؟”
كان سؤاله موجّهًا لا لفحص الأفكار المنتَجة فقط، بل لفحص الآليات العميقة التي تنتج تلك الأفكار… بنية التفكير ذاتها، طرق تشكل الوعي، منطق الحكم على الأشياء، وكل ما يصنع طريقة رؤية العرب للعالم والذات.
ثلاثية العوائق: النص… اللفظ… التجويز
من خلال تحليله البنيوي، توصل الجابري إلى أن العقل العربي يعاني من ثلاث عوائق متجذرة:
- سلطة النص:
ظل العقل العربي مشدودًا إلى النصوص، يقرأ الواقع من خلال تفسير النص، لا من خلال الملاحظة المباشرة للظواهر. غاب التفاعل مع الطبيعة، وغابت منهجية البحث العلمي، لصالح التفسير والتأويل والتبرير. انتصار مدرسة الأشاعرة على المعتزلة لم يكن مجرد حدث فكري… بل كان إعلانًا مبكرًا لانحسار “العقل النقدي” لصالح “النقل”. - سلطة اللفظ:
انشغل العرب بالشكل على حساب المعنى. تفوقوا في البلاغة والشعر واللغة، لكنهم أخفقوا في بناء مناهج علمية صارمة. الحضور الطاغي للفظ على حساب المضمون جعل الثقافة العربية تدور في دوائر لغوية مغلقة، بعيدة عن الإنتاج المعرفي التجريبي. - سلطة التجويز:
وهي أخطر العوائق جميعًا. حيث تم تعطيل مبدأ السببية، وأصبحت كل الظواهر الطبيعية والاجتماعية تُردّ مباشرة إلى “الإرادة الإلهية”. هذه الرؤية التجويزية قتلت فضول السؤال، وشلّت إمكانيات البحث في الأسباب والعوامل الموضوعية. وكانت هذه الذهنية أحد الأسباب الرئيسية في نكبة ابن رشد، وإجهاض مشروعه العقلاني في الأندلس.
لكن… هل يمكن اختزال مأساة الواقع العربي في أزمة “العقل” وحده؟
هذا التفسير ـ رغم أهميته ـ يبقى قاصرًا ما لم ننظر إلى البُعد الأوسع: البُنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعمل فيها هذه الأنماط من التفكير.
فالتاريخ يعلمنا أن النهضات الكبرى لا تولد من الفكر وحده. الأفكار العظيمة تحتاج إلى شروط موضوعية حاضنة. وهذا ما يمكن تلخيصه بمفهوم “الحوامل الثلاثة”:
- الحامل الفكري:
وجود مشروع نقدي عميق، قادر على تحليل الواقع وتفكيك بنيته، وطرح بدائل فكرية قابلة للتحول إلى مشاريع تطبيقية. - الحامل السياسي:
وجود قوى اجتماعية وتنظيمات سياسية تمتلك القدرة والإرادة لتحويل الفكر إلى حركة جماهيرية، وبرامج عمل على الأرض. - الحامل الاقتصادي:
وجود بنية اقتصادية مستقلة ومنتجة، تسمح بظهور طبقات وسطى فاعلة، لها مصلحة موضوعية في التغيير، وقادرة على تمويله وحمايته.
ولو ألقينا نظرة على الواقع العربي خلال القرن الماضي، سنجد أن هذه الحوامل الثلاثة كانت في أسوأ حالاتها:
الفكر النقدي موجود إلى حد ما … لكنه ظل حبيس الكتب والندوات والنخب الجامعية… معزولًا عن الشارع والجماهير.
الحياة السياسية مختنقة… بفعل الاستبداد والقمع والأجهزة الأمنية وتفكيك أي محاولة لبناء تنظيم سياسي مستقل.
الاقتصاد ريعي… قائم على النفط والمساعدات وبعض الصناعات الخفيفة… لا على الإنتاج الفعّال… مما جعل غالبية الشعوب العربية رهينة لقمة العيش… بلا طبقات وسطى حقيقية قادرة على فرض التغيير.
لماذا فشل المثقف العربي؟
لأن المثقف، مهما بلغت قدراته الفكرية، لا يستطيع أن يقاتل وحده في فراغ سياسي واقتصادي خانق.
حتى الجابري نفسه… الذي قدّم واحدًا من أعمق المشاريع الفكرية في نقد البنية الثقافية العربية… لم يكن يمتلك حزبًا سياسيًا مؤثرًا ، ولا قاعدة جماهيرية، ولا أدوات ضغط.
أما لينين… فلم يكن فقط منظّرًا… بل كان قائدًا لحزب ثوري يمتلك جناحًا مسلحًا، وتحرك في لحظة تاريخية نضجت فيها كل الشروط للانفجار
متى يستفيق العقل العربي من غيبوبته؟
الإجابة ليست سهلة… ولن تكون عبر إنتاج المزيد من الكتب وحدها… ولا عبر المزيد من المحاضرات والمؤتمرات.
الاستفاقة الحقيقية مشروطة بتحولات كبرى:
إسقاط الأنظمة السياسية التي تصادر الحريات وتصنع ثقافة القطيع.
إعادة بناء الحياة السياسية من جديد، على أساس المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
تحوّل اقتصادي عميق، يُخرج المجتمعات العربية من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج والعمل.
وحينها فقط… يمكن للأفكار الكبرى أن تجد طريقها إلى الشارع… ويتحوّل “نقد العقل” من مشروع ثقافي… إلى “فعل تاريخي” قادر على تغيير الجغرافيا… لا مجرد إنتاج الخطابات.
ويبقى السؤال الأعمق مفتوحًا:
هل نحن مستعدون حقًا لدفع ثمن هذه الاستفاقة؟ أم أننا سنواصل الدوران في نفس الحلقة… بين التنظير والخذلان؟

Social Links: