من أجل بناء دولة المواطنة لكل السوريين

من أجل بناء دولة المواطنة لكل السوريين

اكرم الصالحة

عضو المكتب السياسي

حزب اليسار الديموقراطي السوري

من الخوف إلى الوعي

منذ اللحظة الأولى لانطلاقة الثورة السورية، لم يكن الصوت الذي دوّى في الشوارع صوت غضبٍ عابر، بل كان نداءً عميقًا من أجل الحرية — حرية الإنسان في أن يُفكّر، ويقول، ويشارك في صنع مصيره.
لم تكن الثورة بحثًا عن سلطة بديلة، بل عن وطنٍ يتّسع للجميع، وطنٍ لا يخاف فيه المواطن من كلمته، ولا يُحاسَب على رأيه.

لقد عرف السوريون على مدى عقود طويلة معنى تهميش الكلمة، حين تحوّل الاختلاف إلى تهمة، والنقد إلى جريمة.
ومنذ عهد الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة، مرورًا بالنظام الأسدي البائد، جرى إقصاء العقول الحرّة وإسكات الفكر المستقل، فغابت المشاركة، وضاعت فرص التنمية، وتراكمت المظالم حتى انفجر الصوت المكبوت في لحظة وعي جماعي قال فيها الناس “كفى”.

من الشعار إلى الممارسة

لكن الحرية التي نادى بها السوريون لا تُختزل في الهتاف ولا تُقاس بعدد الرايات، بل تُقاس بمدى قدرتها على التحول إلى ممارسةٍ فعلية في مؤسسات الدولة والمجتمع.
فحين تتبنى الدولة ثقافة الانفتاح، وتفسح المجال للرأي المختلف، وتحوّل النقد إلى طاقةٍ للإصلاح، تكون قد بدأت السير في الطريق الذي خرج من أجله السوريون.
إن الحرية الحقيقية هي التي تترجم نفسها في قانونٍ عادل، وقضاءٍ مستقل، وإعلامٍ حر، ومؤسساتٍ تخدم المواطن لا تراقبه.

ولا يمكن لحرية الرأي أن تزدهر دون مساحة مدنية حيّة تتيح للناس التعبير والعمل الجماعي، من خلال جمعيات وأحزاب ومنظمات مستقلة تعبّر عن تنوع السوريين وتدافع عن مصالحهم المشروعة.
ففي المجتمع الحرّ، لا يُقصى أحد، ولا يُحتكر الصوت باسم “المصلحة العامة”، لأن التعدد ليس تهديدًا للوطن، بل ضمانة لاستقراره وتقدمه.

الحرية شرط الحياة

إن مستقبل سوريا لن يُبنى بالأدوات القديمة، بل بعقلٍ منفتح وروحٍ تتقبل النقد.
فالإصلاح لا يبدأ من المكاتب المغلقة، بل من الحوار الشفاف والمسؤول، ومن إيمانٍ راسخ بأن كل فكرة حرة هي لبنة في بناء الوطن.
وحين نؤمن بأن الكلمة الحرة ليست خطرًا بل فرصة، نكون قد بدأنا فعلًا رحلة التحول من الثورة إلى الدولة.

لقد آن الأوان أن ندرك أن حرية الرأي ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للحياة العامة.
فمن دونها لا يمكن أن تزدهر السياسة أو تتطور العدالة أو تنمو الاقتصاديات.
إنها البوصلة التي تضمن ألا تنحرف السلطة، ولا يُهمّش المواطن، ولا تتكرر المآسي التي عانى منها السوريون طويلًا.

وهكذا تبقى حرية الرأي جوهر الثورة ومعناها الدائم؛ فهي ليست حدثًا في الماضي، بل وعدٌ مستمر بمستقبلٍ أكثر عدلاً وإنسانية.
ومن هذا الوعد تبدأ الطريق نحو سوريا المواطنة، سوريا التي تُصغي لأبنائها جميعًا، وتنهض بالكلمة قبل أي سلاح.

  • Social Links:

Leave a Reply