«الإنقلاب على الأهداف الاقتصادية للثورة السورية»

«الإنقلاب على الأهداف الاقتصادية للثورة السورية»

ماركو علبي


لم تكن الثورة السورية مجرّد اعتراض على بنية سلطوية شديدة الانغلاق، بل كانت – في أحد أبرز أبعادها – تمرّداً على نموذج اقتصادي بكامله: نموذج يقوم على اقتصاد المحاسيب، وتوسّع الجباية غير الرشيدة، وتفكيك البنية الإنتاجية المحلية، وإفقار المجتمع عبر إحلال الريع محلّ الصناعة والزراعة، وتوجيه الإنفاق العام نحو أجهزة المخابرات والجيش التي تُسخَّر لحماية النظام بدلاً من توجيهه إلى وظائف الدولة التنموية. وبدا لوهلة أن سقوط النظام قد يفتح الباب أمام إعادة ضبط الاقتصاد الوطني على أسس الإنتاج والشفافية والعدالة، لكن ما حدث عملياً كان انقلاباً على جوهر المطالب الاقتصادية للثورة، مُغلَّفاً بخطاب دعائي لا يصمد أمام اختبار الوقائع.

الخطاب الإعلامي الرسمي، كما يظهر في المثال الأوضح على شاشة الأخبارية السورية، يقدّم مؤشرات كافية على هذا الانقلاب. قبل أيام ظهر شاب، قُدِّم بواسطة ظاهرة القناة الصوتية بوصفه «اقتصادياً وديبلوماسياً سورياً»، الشاب قال أنه شارك في تسهيل لقاء بين الرئيس أحمد الشرع و النائب الصهيوني بريان ماست. هذا الشاب يشرح للمشاهدين، بثقة مفرطة ومن دون معرفة بالسياق، أن «الاجتماع تناول فرصاً استثمارية بعوائد ضخمة للشعب السوري»، مضيفاً: «نحن بحاجة لرفع دخل المواطن».

هذا الطرح نموذج مثالي لخطاب البروباغاندا الاقتصادية الراهنة: الخلط المتعمّد بين الاستثمار الخاص والتنمية الوطنية. فالعوائد الاستثمارية، من حيث التعريف الاقتصادي، تتجه إلى المستثمر، ولا تتحول إلى دخل مجتمعي إلا إذا كانت هناك منظومة إنتاجية متكاملة، وسوق وطنية موحدة، وسياسات مالية وتنافسية فعّالة، وإدارة عامة تحوّل الاستثمار إلى قيمة مضافة محلية. رفع الدخل ليس إجراءً استثمارياً، بل نتيجة لنمو الإنتاجية وتوافر الطاقة واللوجستيات والقضاء المستقل وسياسات سوق العمل، أي نتيجة لبنية الدولة، لا لقرار المستثمر.

وتستمر الدعاية في الترويج لـ«استثمارات ضخمة»، في وقت باتت فيه السلطة نفسها تقرّ بأن هذه الاستثمارات لم تتجاوز حدّ التصريحات. في المقابل، تُتخذ قرارات ذات أثر انكماشي مباشر: رفع الدعم عن السلع الأساسية بلا بدائل، رفع أسعار الطاقة إلى مستويات تدميرية للقدرة الإنتاجية – خصوصاً في الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تعمل غالباً خارج الاقتصاد الرسمي – وتحرير الاستيراد بطريقة غير منضبطة على حساب المنتج المحلي، ما يؤدي إلى تسريع عملية إلغاء الهوية الصناعية السورية، وفي مقدمتها حلب، المدينة التي كانت تاريخياً حاضرةً صناعية، تتحول تدريجياً إلى سوق عقاري مفتوح بعد أن تم تدمير الإنتاج المحلي فيها بنجاح، حيث تنهار منشآتها بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة وغياب برامج الدعم والإصلاح.

ولا تتوقف المهزلة عند الصناعة والطاقة. فحتى مدخلات الاتصالات، التي يُفترض أن تكون محوراً في أي تصور اقتصادي جديد، أصبحت جزءاً من سياسة الجباية، وإلى جانب ذلك، ارتفعت أسعار مواد البناء بنحو 30%، في خطوة غير مبرّرة اقتصادياً لم يعرف أحد حتى الآن ما سببها، هل هو رفع التعرفة، أم غياب الرقابة. هذه الزيادة لا تعني مجرد ارتفاع في كلفة المواد، بل تعني تعذّر إعادة إيواء الفئات الأكثر فقراً – تلك التي وُعِدت بأن تُعاد من المخيمات قبل الشتاء. حلّ الشتاء فعلاً، لكن أكثر من 90% من المخيمات ما تزال قائمة، في اقتصاد ترتفع فيه كلفة التشييد والترميم بهذه السرعة، دون أي نية واضحة لتدخل الدولة وتنظيم أحد أهم القطاعات على الإطلاق خاصة في حالة اجتماعية ضاغطة كهذه، ليتحوّل خطاب «إعادة السوريين لمدنهم وقراهم» إلى غطاء إنشائي يخفي غياب أي خطة شاملة، جزئية أو حتى ميكروسكوبية لإعادة الإعمار ومشاكل الإسكان الحالية.

ولإضفاء مشروعية فكرية على هذه السياسات والممارسات ذات الأثر السلبي البنيوي، تُستحضر لغة ليبرالية غير متزنة وكاذبة، يجسّدها بوضوح مستشار وزير الاقتصاد، الدكتور مازن ديروان، في خطابٍ هجومي يخلط بين نقد القطاع العام وشيطنته، وبين تمجيد مطلق لآليات السوق وتجاهل شروط قيامه. يقول ديروان في إحدى منشوراته: «الحمد لله أن الفكر الرأسمالي مسيطر علي… أخرجوا الفكر البعثي الماركسي النتن من عقولكم».

لكن هذا الخطاب لا يخبر أي من السوريين ببضعة حقائق أساسية: الشروط الدنيا لاقتصاد السوق غير موجودة في سوريا الحالية. فلا منافسة حرّة مع وجود مراكز قوة احتكارية، ولا قضاء نزيه، ولا سوق موحدة، ولا طاقة مستقرة، ولا حماية للحقوق الفكرية ولا حماية حقيقية للمستهلك ولا حماية للمُنتج من عمليات إغراق الأسواق التي يقوم بها تُجارٌ محسوبون على السلطة. في غياب هذه البنى، يصبح الحديث عن «القطاع الخاص المنقذ» أقرب إلى التلاعب المفاهيمي منه إلى رؤية اقتصادية قابلة للتطبيق، ويؤدي عملياً إلى تعميق سيطرة شبكات المحاسيب وإضعاف ما تبقى من قدرة الإنتاج الوطني.

السلطة الجديدة لا تعتمد نموذجاً ليبرالياً ولا اشتراكياً؛ بل تعتمد نموذج اقتصاد المحاسيب بامتياز. تُعمّق تآكل الإنتاج بدلاً من إصلاحه، وتزيد الأعباء على الفئات الهشّة بدلاً من دعمها، وتتعامل مع الاستثمار بوصفه أداة دعائية، وتستورد وجوهاً لا تعلم شيئاً عن البلاد واقتصادها، لتروّج لوعود لا تمتلك أي أساس موضوعي. النتيجة النهائية واضحة: تراجع في الدخل الحقيقي، انهيار في البنية الإنتاجية، ارتفاع متواصل في أسعار الطاقة والاتصالات، واختفاء تدريجي لدور المدن الصناعية الكبرى من الخارطة الاقتصادية.

ما يُقدَّم اليوم على أنه «طريق التعافي» ليس سوى تثبيت لبنية اقتصادية مشوّهة تُعيد إنتاج آليات نظام البعث الذي تدّعي السلطة استبداله بنظام ليبرالي لا وجود لشروطه، وتستنزف المجتمع بشعاراتٍ تُجبره على ترديدها كما البعث.

الثورة الاقتصادية التي حلم بها السوريون كانت مشروع دولة مؤسسات، لا مشروع جباية جديد لمحاسيب جدد. ما يحدث اليوم لا يمتّ بصلة إلى الإصلاح ولا إلى إعادة الإعمار، بل هو عودة مُقنّعة إلى النموذج نفسه الذي ثار عليه السوريون، مع فارق واحد: أنّ الدعاية أصبحت أكثر فجاجة، فيما القدرة على الخداع بدأت بالتلاشي وستصل قريباً إلى الإنكشاف.

  • Social Links:

Leave a Reply